حياة رجل الارادة مبارك الميلي ١٨٩٨ – ١٩٤٥م

فقدت الجزائر في سنة ١٣٦٤ ه ابنا من خيرة أبنائها ورجلا من أكمل رجالها العاملين المخلصين، وعظيما من العظماء الذين يؤثرون في مجتمعهم بواسطة أعمالهم المثمرة ، و كفاحهم المتن المتواصل، المبني على الحكمة والتبصر، ويرفعون مستواه الفكري و الإجتماعي بتوجيهه التوجيه الصالح اللآئق، فيغيرون بذلك مجرى تاريخه. لأنهم يعملون – لا للحال فقط – بل و لحسن المآل، ولا لجيل واحد، بل لعدة أجيال. فلا يدع أن لا يبالي بهم معاصروهم أو يقدروهم أو أعمالهم حق التقدير. فالناس من قديم مجبولون على شكر من أحسن إليهم الإحسان المعجل و جاراهم في ميولهم وتياراتهم لا على حمد من يريد لهم خيرا بعيدا أو تغير مابحالهم من الأوضاع.
ذلك الفقيد هو أستاذنا الشيخ الجليل مبارك بن محمد الهلالي الميلي ، وذلك كان حظه من معاصريه فلم يكن يكترث به الجمهور ولم يبال بشأنه. بل أن الكثير من الطلبة و المعلمين يجهلون حياته و أطوارها فضلا عن أن تحتوي مكتباتهم على تأليفه أو أن يكونوا قد طالعوا على الأقل مطالعة درس واعتناء تاريخه الخالد ورسالته القيمة التي لم يسبق إليها في بابها. وقد لاحظ هاته الظاهرة أستاذه »أبو الجزائر« وعظيمها المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس فكتب إليه بمناسبة وقوفه على الجزء الأول من كتابه » تاريخ الجزائر في القديم و الحديث« – رسالة ذات مغازى عميقة جاء فيها : » أخي مبارك ! إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا فكيف من أحيا أمة كاملة ؟ أحيا ماضيها و حاضرها، وحياتها عند أبنائها حياة مستقبلها. فليس – والله – كفاء عملك أن تتشكرك الافراد، ولكن كفاءة أن تتشكرك الاجيال. وإذا كان هذا الجيل المعاصر قليلا فسيكون في الاجيال الغابرة كثيرا. وتلك سنة الله في عظماء الامم و نوابغها، ولن تجد في سنة الله تبديلا«
و أن الاستاذ الميلي لنابعة وأنه لعظيم فلا يضيره أن لا تتبدل سنة الله فيه. فهو عظيم لأنه من الشخصيات الفذة في عصرنا الحاضر من الذين لعبوا دورا هاما فعالا في بعث الجزائر من مرقدها و تكوين حركة نهضتها الحديثة. وهو نابغة لأنه كان ذا ذكاء وقاد وتفكير بصير عميق، وقد شهد له بذلك كل من عرفه. فقد حدثني عنه استاذنا الجليل الشيخ العربي التبسي نائب جمعيتنا ومدير معهد عبد الحميد بن باديس، معجبا بذكائه فقال من جملة ماقال فيه :» أنه كان يفاجئنا بآراء صائبة خارقة ويدلى بإقتراحات وجيهة لم ندر من أين له بها«. وما قيامه بتلك الاعمال الجبارة في خدمة الجمعية ، وبالتدريس ، والتعليم والدعاية مع البحث والدرس والتنقيب للتأليف بأسلوب منطقي وتحقيق علمي دقيق . الا دليل على نبوغه حقا. ولو اتيح الذهاب للشرق لتوسيع دائرة إطلاعه أو كان في وسط غير الوسط لكان من أفذاذ عباقرة الإسلام ولا أدل على ذلك من شهادة المرحوم عظيم الشرق أمير البيان شكيب أرسلان عندما نظر في تاريخه فقال مشدوها : وأما تاريخ الجزائر فوالله ما كنت أظن في الجزائر من يفرى هذا الفرى. ولقد أعجبت به كثيرا

Posted in تراجم | Tagged , | Leave a comment

الشيخ عبد الحميد ابن باديس(عوامل تكوين شخصيته)

عوامل تكون شخصيته:
مما تقدم لنا العناصر الأساسية التي أدت إلى تكوين شخصية عبد الحميد بن باديس وقد أكد لنا في كلمة قالها بمناسبة ختمه القرآن
هذه العوامل:
العامل الأول في تكوينه من الناحية العملية والعلمية وتوجيهه ذاك التوجيه يعود إلى أسرته، وخصوصاً أباه الذي رباه ووجهه وجهة أخلاقية وعلمية وحماه من المكاره صغيراً وكبيراً على حدَّ تعبيره، وكان أبوه من ذوي الفضل والخلق الاسلامي ومن حملة القرآن الكريم و لا يخفى ما لتأثير الأسرة في شخصية الطفل من أهمية بالغة.
والعامل الثاني يرجع إلى بيئة الدراسة وتأثير المربين من المعلمين والشيوخ الذين نمُّوا استعداده وتعهدوه بالتوجيه والتكوين، وابن باديس يطيب له أن يذكر لنا فضل أساتذته عليه، في تخطيط مناهج العمل في الحياة قال: » وأذكر منهم رجلين كان لهما الأثر البليغ في تربيتي وفي حياتي العملية…حمدان لونيسي القسنطيني نزيل المدينة المنورة ودفينها، و ثانيهما الشيخ محمد النخلي المدارس بجامع الزيتونة المعمور رحمهما الله.
وله مع كل من هذين المربيين واقعة هي التي جعلته يتجه اتجاهاً معيناً سواء من الناحية العملية أو النظرية وهذا حديثه عن تينك الواقعتين قال :
» و أني لأذكر للأول (حمدان لونيسي) وصية أوصاني بها، وعهداً عهد به الىّ. و أذكر أثر ذلك العهد في نفسي و مستقبلي وحياتي وتاريخي كله، فأجدني مديناً لهذا الرجل بمنَّة لا يقوم بها الشكر، فقد أوصاني وشدد علىّ أن أقرب الوظيفة ولا أرضاها ما حييت، ولا أتخذ علمي مطية لها، كما كان يفعله أمثالي في ذلك الوقت. وأذكر للثاني (محمد النخلي) كلمة لا يقل أثرها في ناحيتي العلمية عن أثر تلك الوصية في ناحيتي العملية، وذلك أني كنت متبرماً بأساليب المفسرين وادخالهم لتأويلاتهم الجدية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال حتى في دين الله وكتاب الله فذاكرت يوماً الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم و القلق فقال لي : » اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة، وهذه الاقوال المختلفة، وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط ويبقى الصحيح، وتستريح.. فوالله لقد فتح بهذه الكلمة القليلة عن ذهني آفاقاً واسعة لا عهد له بها« فهذا النص في غاية الأهمية من حيث دلالته على مدى تأثره في تكوينه بهذين الأستاذين، ومن الأساتذة الذين أثروا فيه وكوَّنوا جانباً من أهم جوانبه، وهو جانب الأدب وتذوق الآثار الفنية الشيخ محمد الطاهر بن عاشور زميل الاستاذ النخلي في نسبتهما الى البدعة و الضلال اللذين كانا يوصفان بهما لأنهما يناضلان عن آراء محمد عبده وينشرانها في صفوف طلابهم، يقول ابن باديس » وان أنس فلا أنسى دروساً قرأتها من ديوان الحماسة على الاستاذ ابن عاشور وكانت أول ما قرأت عليه فقد حببتني في الأدب والتفقه في كلام العرب وبثت فيَّ روحاً جديداً في فهم المنظوم والمنثور، وأحيت مني الشعور بعزِّ العروبة والاعتزاز بها كما أعتز بالاسلام«.
و لم ينس أن يبين لنا عاملاً آخر أهم العوامل وهو الشعب الجزائري، وما ينطوي عليه من أصول الكمال، واستعدادات عظيمة للخير، وهو ما عمل على تنمية والنضال من أجل تغليبة على جوانب النقص وعوامل السكون، كما سبق أن لوحنا الى ذلك. ويصف الأمة الجزائرية بأنها أمة معوانة على الخير منطوية على استعدادات الكمال و أنها ذات نسب عريق في المحامد والفضائل ثم يبين عاملاً آخر وهم زملاؤه من العلماء الأفاضل الذين ساعدوه منذ فجر النهضة وشدواساعده فورى بهم زنادة، وسطع نجمة أمثال الشهيد الشيخ العربي التبسي والشيخ البشير الابراهيمي والشيخ العقبي في أول أمره والشيخ مبارك الميلي و غيرهم.
و العامل الأخير الذي يفوق جميع العوامل الأخرى والذي كرَّس له ربع قرن من حياته، هو القرآن الكريم الذي صاغ نفسه، وهزَّ كيانه، واستولى على قلبه فاستوحاه في منهجه طوال حياته، وترسم خطاه في دعوته، وناجاه ليله ونهاره يستلهمه ويسترشده، ويتأمله فيعبُّ منه ويستمدُّ علاج أمراض القلوب، وأداواء النفوس، ويذيب نفسه، ويبيد جسمه الهزيل في سبيل ارجاع الامة الجزائرية الى الحقيقة القرآنية ومنبع الهداية الاخلاقية و النهوض الحضاري. وكان همه أن يكوّن رجالاً قرآنيين يوجهون التاريخ ويغيرون الأمة، ولذلك فإنه جعل القرآن قاعدة أساسية ترتكز عليها تربيته وتعليمه للجليل قال: « فإننا و الحمد لله نربَّى تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجَّه نفوسهم الى القرآن في كل يوم…».
ولما رجع الشيخ من تونس عاد شعلة من الحماسة وشهاباً وارياً من الدين، فقصد الجامع الكبير وأخذ في إلقاء الدروس وابتدأ بتدريس كتاب الشفاء للقاضي عياض، ولكن المكائد حيكت له، فعمل أعداؤه على إقلاقه ومنعه واطفأوا عليه الضوء وهو في الدرس فقرر السفر للحج إلى بيت الله الحرام و للقاء شيخه حمدان لونيسي، فاستأذن أباه وسافر وأتيح له أن يتصل في رحلته هذه بأطراف من العالم الإسلامي في المشرق وبجماعة من المفكرين والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ومن الأعمال التي سجلها في الأراضي المقدسة أنه قام بإلقاء درس في الحرم النبوي على مشهد كثير من المسلمين وبحضور شيخه حمدان لونيسي، وعند رجوعه من مهبط الوحى، سلم له حمدان لونيسي رسالة إلى الشيخ بخيت العالم الأزهري المصري زميل الشيخ محمد عبده والمدافع عنه، فاتصل به في منزله بحلوان، ولما بين له أنه مرسل من طرف أستاذه قال له معظماً إياه: ذلك رجل عظيم وحينما توفي ترجم له عبد الحميد ابن باديس في مجلة الشهاب وكان قد أجازه. و مرّ كذلك على الشام ( دمشق ولبنان ) وهكذا فإن ابن باديس أتم دراسته بالرحلة في البلاد الإسلامية ومحادثة العلماء و هو ما يعتبر من شروط العالم المتمكن من التقاليد العلمية، والمناهج التربوية الاسلامية، وبالطبع فإن هذه الرحلة أطلعته على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية، وفيها خبر أحوال الناس مما وسع أفقه وبصّره بطريق الخلاص والثورة الفكرية التي تعتمد على التربية في تكوين القادة من النخبة أو الصفوة المبدعة.

Posted in تراجم | Tagged , | Leave a comment

الشيخ عبد الحميد ابن باديس (ترجمته)

ترجمته :
ولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة ١٣٠٨ه (ديسمبر ١٨٨٩) فكان الولد البكر لأبويه، و أسرته أسرة قسنطينة مشهورة بالعلم و الثراء و الجاه، و كانت منذ القدم ذات نفوذ، و مسيرة للسياسة و الحكم في المغرب الاسلامي، و نبغ من هذه الأسرة شخصيات تاريخية لامعة منها بلكين بن زيري و المعز بن باديس الذي كان يفتخر به الشيخ عبد الحميد و لا عجب في ذلك فهو بمثابة خليفة له في مقاومة البدع و الظلال إذ كان جده يناضل الاسماعيلية الباطنية، و بدع الشيعة في افريقية، و من أسلافه المتأخرين قاضي قسنطينة الشهير أبو العباس احميدة بن باديس و مكي بن باديس القاضي بها أيضاً.
و أمه من أسرة مشهورة في قسنطينة كذلك هي أسرة »عبد الجليل« تدعى »زهيرة« بن جلول (لقب) بنت علي بن جلول. و أبوه عضو في المجلس الجزائري الأعلى و المجلس العام كما هو عضو في المجلس العمالي. و عرف دائماً بدفاعه عن مطالب السكان المسلمين بالعمالة القسنطينية و أسرته كانت تنتمي إلى الطريقة القادرية.
حفظ ابن باديس القرآن على الشيخ محمد المداسي، و أتم حفظه في السنة الثالثة عشرة من عمره، ومن شدة اعجاب المؤدب بذكائه و سيرته الطيبة قدّمه ليصلّي بالناس صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير وفي سنة ١٩٠٣ دخل الشاب في طور جديد من أطوار دراسته فخيره والده بين أن يسلك طريق أجداده أو طريقاً آخر، فاختار طريق سلفه وهو طريق العلم و الجهاد فانتخب له أبوه أحد الشيوخ الصالحين من ذوي المعارف الاسلامية و العربية و هو الشيخ أحمد ابو حمدان لونيسي الذي كان منتمياً الى الطريقة التيجانية سالكاً منهجها فأخذ يعلمه بجامع سيدي محمد النجار مبادئ العربية و المعارف الاسلامية و يوجهه وجهة علمية أخلاقية . و كان ابن باديس يعترف له بالفضل، وبما كان له من تأثير في نفسه، ثم هاجر حمدان لونيسي إلى المدينة المنورة متبرماً من الإستعمار الفرنسي، وسلطته ، مجاواً، بها مدرساً للحديث إلى أن توفاه الله. وحين عزم الهجرة تعلل لدى السلطات الاستعمارية بأنه يسافر لمعالجة بصره، ورغب ابن باديس أن يسافر معه ولكن أباه منعه وصرفه عن ذلك.
وحين بلغ الخامسة عشر من عمره (١٩٤٠) زوّجه والده وانجب ولداً اسماه اسماعيل توفي وعمره سبعة عشر عاماً وهذا الاسم له دلالة، لأن هذا الابن ولد تقريباً في السنة التي توفي فيها محمد عبده زار الجزائر العاصمة و مدينة قسنطينة سنة ١٩٠٣ وعمر ابن باديس أربعة عشر عاماً فمن الممكن أن يكون قد اتصل به أو سمع عنه، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار تردد ابن باديس الشاب على الجامع الكبير، وإمامته بالناس في صلاة التراويح، وهو المسجد الذي زاره محمد عبده في قسنطينة.
ثم جاء دور الرحلة في حياة الشاب فسافر الى مدينة تونس في سنة ١٩٠٨ و سنة اذ ذاك تسعة عاماً وانتسب الى جامع الزيتونة، وعرف في دراسته بالجد و النشاط، فأخذ يتلقى الثقافة الاسلامية العربية، و يأخذ عن جماعة من أكابر علماء الزيتونة أمثال العلامة المفكر الصدر محمد النخلي القيرواني المتوفي في رجب سنة ١٣٤٢ه (١٩٢٤) وكان قد قرظ الرسالة التي ألفها عبد الحميد بن باديس في الرد على بن عليوة الصوفي والشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي كان له تأثير كبير في تكوين عبد الحميد بن باديس اللغوي وفي الشغف بالأدب العربي و الاعتزاز به.
و قرظ بدوره رسالته المذكورة ومن أساتذته الشيخ الخضر بن الحسين الجزائري الأصل الذي درس بجامع الزيتونة وحضر عليه عبد الحميد دروساً في المنطق من كتاب »التهذيب« للسعد بجامع الزيتونة، كما أخذ عنه دروساً في التفسير في أوائل كتاب البيضاوي بدار الاستاذ: شارع باب منارة تونس و منهم أبو محمد بلحسن ابن الشيخ المفتي محمد النجار الذي تولى الافتاء سنة ١٣٤٢ه و هو من بين الذين قرظوا رسالته أيضاً، ومنهم محمد بن القاضي، والبشير صفر المؤرخ المجدد، وغيرهم كثير. وتخرج بشهادة التطويع في سنة ١٩١١-١٩١٢ وعمره ثلاث و عشرون سنة، وعلم سنة واحدة في جامع الزيتونة على عادة المتخرجين في ذلك الوقت، و لاشك فإن البيئة الثقافية و الاجتماعية التي احتك بها، و العلاقات التي كانت له مع بعض العلماء أثّرت في تكوينه و شخصيته، واتجاهه العقلي، و أكثر ماكان اتصاله قوياً وعميقاً و مؤثراً انما كان بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور، و الشيخ محمد النخلي، اللذين يعتبران زعيمي النهضة الفكرية و العلمية و الاصلاحية، ويذكر لنا الشيخ عبد الحميد بن باديس، أن الشيوخ الجامدين كانوا ينفرونه من الاتصال بهما، و بقي بعيداً عنهما تحت تأثير التقليد الى أن أتيحت فرصة الاتصال بمحمد الطاهر بن عاشور أولا، ثم مهّد له فتعرف على محمد النخلي وتأثر به، و ذلك في الفترة الأخيرة من دراسته العليا.

Posted in تراجم | Tagged , | Leave a comment

العلامة الشيخ مبارك الميلي الجزائري رحمه الله

اسمه و نسبه و مولده:
هو مبارك بن محمد إبراهيمي الميلي الجزائري.
ولد رحمه الله سنة (١٨٩٨م-١٣١٦ه) تقريباً في »دوار أولاد أمبارك« من قرى الميلية من أحواز قسنطينة.

نشأته:
نشأ الشيخ مبارك بالبادية نشأة القوة و الصلابة و الحرية، وربي يتيماً، فبُعد وفاة والده محمد، توفيت أمه؛ تركية بنت أحمد بن فرحات حمروش، فكلفه جده »رابح« ثم عمّاه:علاوة و أحمد.
نزح إلى بلدة »ميلة« التي كانت تستقطب طلاب حفظ القرآن بصدر رحب و كرم مشكور وهناك حفظ القرآن، وزاول الدروس العلميّة الإبتدائية على الشيخ الزّاهد: ابن معنصر الميلي، و قد أهلته هذه الدروس للالتحاق بدروس الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس بالجامع الأخضر، و هناك وجد بغية في دروس الأستاذ الحية، والتقى منه الأفكار الإصلاحية بحماس و إيمان، فكان من أنجب تلاميذه و من الجادين المجتهدين الراغبين في التحصيل فأعجب به أستاذه و أحبه كثيرًا و قربه إليه.

رحلته في طلب العلم و شيوخه:
التحق الشيخ مبارك بجامع الزيتونة المعمور بتونس: المنبع الأصلي الذي ارتوى منه أستاذه الاكبر: ابن باديس، وانخرط في سلك تلاميذه، و أخذ عن جلّّة رجال العلم و المعرفة به ممّن انتفع بهم أستاذه قبل، منهم: الشيخ محمد النخلي القيرواني، و الشيخ محمد الصادق النيفر و الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، و الشيخ بلحسن النجار، و الأستاذ محمد بن القاضي و غيرهم.
و قد كان في هذه السنوات التي قضاها هناك مثالاً للطالب المكب المجتهد، و أنموذجاً للشباب الشهم المهذّب، فرجع من تونس بشهادة التطويع سنة (١٩٢٤م).

أعماله:
و بعد التحصيل على شهادة » الجامع « رجع إلى وطنه معاهداً ربه أن تكون حياته حياة جد و نشاط لنفع و خدمة دينه، فشرع بعد تخرجه مباشرة يعلم بمكتب »سيدي بومعزة« و »سيدي فتح الله« بقسنطينة، و تصدى لبث روح التربية الإسلامية في البنين و البنات، و أنار عقولهم بما أتاه الله من الحكمة و التفكير و المهارة في التصوير.
قال الأستاذ عبد الحفيظ الجنان رحمه الله :
» و بعد تحصيله على شهادة التطويع رجع إلى قسنطينة، حاملا معه »مسودة قانون أساسي« ليحث الطلاب و أهل العلم على إنشاء مطبعة كبرى تطبع المخطوطات، و الجرا ئد و المجلات لتحى أمته حياة عملية لا نظرية، ووجد أستاذه عبد الحميد قد بعث بقلمه صيحة مدوية في أرجاء الوطن داعيةة إلى الخلاص من ربقة الشرك و التحرر من أغلال العبودية فأصدر جريدة »المنتقد« ثم أخرج بعدها »الشهاب« الأسبوعي، وظل كذلك يكافح وحده إلى أن رفع مبارك قلمه وانضوى تحت لواء أستاذه بالأمس و صاحبه في الحال، و قال له : ها أنا ذا فكان الفتى المقدام و المناصر الهمام«١.
فكان رحمه الله يشارك في تحريرهما و يساهم في تحبير المقالات النافعة لهما بإمضائه الصريح مرة و بإمضاء »بيضاوي« مرة أخرى
و في سنة (١٩٢٦) انتقل إلى الأغواط بدعوة من أهلها، فوجد منهم الإقبال العظيم، والتفت حوله ثلة من الشباب نفخ فيهم روح العلم الصّحيح و التفكير الحر، وقضى في هذه البلدة سبع سنوات أسس فيها »مدرسة الشبيبة« و هي من أولى المدارس العصرية النادرة في ذلك الوقت، كما أسس بعدها »الجمعية الخيرية«، لإسعاف الفقراء و المساكين و الأيتام، فكان لها قدم في ميدان البّر و الإحسان.
و كان له دروس ليليّة في الوعظ و الإرشاد يلقيها بالمسجد على عامة الناس مما كان له الأثر البالغ في النفوس و كذلك كان يخرج إلى »الجلفة«، شمالاً، و »بوسعادة«، شرقاً،و »آفلو« غرباً لإقاء مثل تلك الدروس من حين إلى آخر على أهلها فيدعوهم للإصلاح و التمسك بالكتاب و السنة و نفض غبار الجهل و الكسل و محاربة البدعة في الدين.
لقد أنشأ الشيخ رحمه الله في الأغواط حركة علمية قوية و سَيَّر منها البعثات الدراسية نحو »جامع الزيتونة« على غرار ما كان يفعل أستاذه ابن باديس.
و في سنة (١٩٣١) أسست »جمعية العلماء المسلمين الجزائرين« فانتخب الشيخ مبارك عضواً في مجلس إداراتها و أميناً لماليتها.
ثم رجع الشيخ بعد السنوات التي قضاها في الأغواط إلى موطن الصبا ميلة فأنشأ فيها جامعاً عظيماً كان خطيبه و الواعظ و المرشد فيه، و مدرسة »الحياة« التي أشرف على سير التعليم فيها، و »نادي الإصلاح« الذي يحاضر فيه.
ثم أسندت إليه رحمه الله تعالى رئاسة تحرير جريدة » البصائر« الأسبوعية بعد أن تخلى عنها الشيخ الطيب العقبي رحمه الله فاضطلع بالمهمّة و قام بواجبه أحسن قيام رغم مرض » السكري «، الذي أنهك قواه إلى أن قررت »جمعية العلماء« السكوت في سنة (١٩٣٩)، فاحتجت » البصائر « عن الصدور.
تلاميذه:
كانت حياة الشيخ مبارك رحمه الله تعالى مباركة طيّبة، فقد أمضاها في الجهاد و التضحية، و في التعليم و التربية، و في التثقيف و التزكية، و الوعظ و الإرشاد، و الكتابة و التأليف، و كانت الأيام التي قضاها بالأغواط هي أخصب أيامه في الإنتاج بأنواعه و كان من ثمارها أن تخرّج على يده جمه عظيم من طلبة العلم و حملته، و أنصار الإسلام و دعاته، منهم:
١: الشيخ أبو بكر الأغواطي.
٢: الأستاذ أحمد قصيبة.
٣: الإمام أحمد شطة.
‫:‬٤ الشيخ عمر النصيري.
‫-‬ يقول الأستاذ أحمد بن ذياب رحمه الله:
» و لقينا و نحن تلامذة بتونس أبناء الشيخ مبارك من خريجي مدرسة الأغواط، فكنّا نشيم في مخايلهم آيات جلال مربيهم، و نلمح في قرائحهم آثار المقتدر الذي نور عقولهم، و صفى أذهانهم، فكنا نعجب بهم، و نتمنى لو أتيح لنا أن نروي من الفيض الذي منه نهلوا«.
أخلاقه:
كان رحمه الله قويّ الإرادة يغلب على أعماله الحدّ مع الصراحة، و كان ذا شجاعة أدبية متصلباً في الحق، دقيق الملاحظة، و كان يحب العمل الدائم المتواصل و كان يكره الكسل و يمقت الكسالى من تلاميذه أو من زملائه، وكان أيضاً كريم النفس، حسن المعاشرة، حليماً بشوشاً، محباً لتلاميذه، محترماً لأصدقائه؛ و كان متواضعاً، يكره الإعلان عن شخصه، و كثيراً ما يفر من مواطن الظهور، و لا يحب أن يلفت الأنظار إليه.
يقول تلميذه أحمد قصيبة:
» و في سنة ١٩٣٠م لما توفي الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد رحمه الله عُيّن خلفاً له لإدارة شؤون »الجامع الأخضر« و الإشراف على الدروس، فلما تربّع ذات يوم على مقعد أستاذه الراحل العظيم، وجلت نفسه، و عظم الأمر لديه، و أثر فيه هول الموقف من تذكر رئيسه و أستاذه حتى سالت عبراته سخينة على خديه تواضعاً و إشفاقاً على نفسه أن تغتر أوتتطاول بتبوئها ذلك المقعد«.
و قال فيه الأستاذ أحمد توفيق المدني رحمه الله تعالى:
» إن قرّر مسألة فبقوه و إيمان واقتناع، و إن جادل فبالتي هي أحسن، وإن خالفك في الرأي فمن غير عناد أو تعصب، وإن حاضر أو سامر فالدارّ المنثور، و أنهار من عسل مصفّى، كل ذلك في تواضع محمود وخلق كريم، و أريحيه فاضلة، و شهامة و شمم بلغا درجة الكمال«.
ثناء أهل العلم و الفضل عليه:
قال أمير البيان شكيب أرسلان رحمه الله تعالى:
» و أما »تاريخ الجزائر« فوالله ما كنت أظن في الجزائر من يفري هذا الفري، ولقد أعجبت به كثيراً، كما إني معجب بكتابة ابن باديس، فالميلي وابن باديس و العقبي و الزهري: حمله عرش الأدب الجزائري الأربعة«.
و قال العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى:
» حياة كلّها جدّ و عمل، و حي كلّه فكر و علم، و عمر كلّه درس و تحصيل، و شباب كلّه تلقّ واستفادة، و كهولة كلّها إنتاج وإفادة، و نفس كلّها ضميرٌ وواجبٌ، وروح كلها ذكاء وعقل، وعقل كلّه رأي وبصيرة، وبصيرة كلّلها نور وإشراق، ومجموعة خلال سديدة و أعمال مفيدة قلّ أن اجتمعت في رجل من رجال النهضات، فإذا اجتمعت هيأت لصاحبها مكانة من قيادة الجيل، و مهّدت له مقعده من زعامة النهضة.
ذلكم مبارك الميلي الذي فقدته الجزائر من ثلاث سنين، ففقدت بفقده مؤرخها الحريص على تجلية تاريخها المغمور، وإنارة جوانبه المظلمة، ووصل عراه المنفصمة؛ وفقدته المحافل الإصلاحية ففقدت منه عالماً بالسلفية الحقة عاملاً بها، صحيح الإدراك لفقه الكتاب و السنّة، واسع الاطلاع على النصوص و الفهوم، دقيق الفهم لها، والتميز بينها والتطبيق لكلياتها، وفقدته دواوين الكتابة ففقدت كاتباً فحل الأسلوب، جزل العبارة، لبقاً بتوزيع الألفاظ على المعاني، طبقة ممتازة في دقة التصوير و الإحاطة بالأطراف وظبط الموضوع والملك لعنانة، وفقدته مجالس النظر و الرأي ففقدت مدرهاً لا يباري في سوق الحُجّة، و حضور البديهة و سداد الرميّة و الصلابة في الحق و الوقوف عند حدوده؛ و فقدته »جمعية العلماء« ففقدت ركناً باذحاً من أركانها، لا كلاً ولا وَكِلاً، بل ناهضاً بالعبء، مضطلعاً بما حُمّل من واجب، لا يؤتى »الجمعية« من الثغر الذي تكل إليه سدّه، و لا تخشى الخصم الذي تسند إليه مراسله، و فقدت بفقده عَلَماً كانت تستضيء برأيه في المشكلات، فلا يرى الرأي في معضلة إلاّ جاء مثل فلق الصبح«.
ثم قال :» يشهد كل من عرف مباركاً وذاكره أو ناظره أو سأله في شيء مما يتذاكر فيه الناس أو يتناظرون أو يسأل فيه جاهله عالمه أو جاذبه الحديث في أحوال الأمم ووقائع التاريخ و عوارض الاجتماع، أنه يخاطب منه عالماً أي عالم، و أنه يناظر منه فحل عراك وجدل حكاك، و أنه يساجل منه بحراً لا تخالص لجته و حبراً لا تدحض حجته، و أنه يرجع منه إلى عقل متين و رأي رصين و دليل لا يضل و منطق لا يختل، و قريحة خصبة و ذهن صيود و طبع مشبوب و ألمعية كشافة.
هكذا عرفنا مباركاً و بهذا شهدنا، و هكذا عرفه من يوثق بمعرفتهم و يرتاح إلى إنصافهم و يطمأن إلى شهادتهم، لا نختلف في هذا.«
و قال الإستاذ المؤرخ أحمد توفيق المدني رحمه الله تعالى:
» لقد كان من رجالنا المعدودين، و كان من بُناة قوميتنا المذكورين، و كان من الذين خلّدوا أسماءهم بأعمالهم الجليلة، و جهادهم الموفق في صفحات التاريخ الوطني الحافل الثري«
» كان رحمه الله أول من عرفت في القطر الجزائري من رجال العمل الصحيح و الوطنية الحقة«
» و أقسم أنني ما عملت مع أحد عملا أحب إلي و أمتع لنفسي – إذا استثنيت سني الجهاد ضمن الحزب الدستوري التونسي – من عملي ذلك، خلال تلك الفترة القصيرة إلى جانب مبارك الميلي.
ولقد رأيت فيه يومئذٍ خلالاً جعلته في نظري نموذج المؤرخ الصادق، و هذه شهادة أؤديها للمعارضين و للأجيال: صبر على البحث، و غلوّ في التحقيق و التدقيق، و مهارة منقطعة النظير في المقابلة بين النصوص، و نظرة صائبة في استجلاء الغوامض، و حكم صادق في أسباب الحوادث و نتائجها، و مهارة في الترتيب و التبويب، و حسن سبك يجعل التاريخ كتّه كالسلسلة المفرغة«
وقال الأستاذ أحمد حماني:
» العلامة الجليل الشيخ مبارك بن محمد الميلي رحمه الله، أكبر تلاميذ الأستاذ ابن باديس و مدرسته علماً و فضلاً وكفاءة و أحد علماء الجزائر و بناة نهضتها العربية الإصلاحية الأفذاذ، و أوّل من ألّف للجزائر بالغة العربية و العاطفة الوطنية تاريخاً قومياً وطنياً نفسياً«
و قال تلميذ الشيخ أبو بكر الأغواطي رحمه الله تعالى :
» عرفنا من الأستاذ مبارك الميلي رحمه الله صفات قلّ بيننا اليوم من يتصف بها، و هي التي جعلت منه علماً من أعلام نهضتنا ورجلاً من خيرة رجالنا، تلك هي حبّ العمل و الجد فيه، و تحمل الأعباء و المصابرة على تحقيق أهداف عليا، و كلها ترجع إلى متانة خلقه و صدق عزيمته، و سداد تقديره و محكم تدبيره«
آثاره العلمية:
على الرغم من عمره القصير ٤٨ عاماً، و ملازمة المرض له، واشتغاله بتأليف الرجال عن تصنيف الكتب، فقد خلّف الشيخ مبارك رحمه الله تعالى سِفْرين نافعين:
الأوّل :» تاريخ الجزائر في القديم و الحديث« في جزئين، و هو كتاب حافل، أثنى عليه غير واحد، منهم شيخه العلاّمة ابن باديس رحمه الله الذي بعث إليه برسالة جاء فيها :
» وقفت على الجزء الأول من كتابك » تاريخ الجزائر في القديم و الحديث«، فقلت : لو سميته » حياة الجزائر« لكان بذلك خليقاً، فهو أوّل كتاب صوّر الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سويّة، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا و هناك؛ و قد نفخت في تلك الصورة من روح إيمانك الديني و الوطني ما سيبقيها حيّة على وجه الدهر، تحفظ اسمك تاجاً لها في سماء العُلا، و تخطّه بيمينها في كتاب الخالدين.
أخي مبارك!
إذا كان من أحيا نفساً واحدة فكأنما أحيا الناس جميعاً، غكيف من أحيا أمة كاملة؟ أحيا ماضيها و حاضرها و حياتها عند أبنائها حياة مستقبلها؛ فليس والله كفاء عملك أن تشكرك الأفراد ولكن كفاءة أن تشكرك الأجيال«.
الآخر: »رسالة الشرك ومظاهره«: و هو كتابٌ نفيسٌ في بابه، فريدٌ في موضوعه، لم ينسج على منواله، وقد أقرّ المجلس الإداري ل»جمعية العلماء« ما اشتمل عليه، ودعا المسلمين إلى دراسته و العمل بما فيه، وحرّر هذا التقرير كاتبها العام الشيخ العربي التبسي رحمه الله تعالى بقلمه، فعدّها »في أوليات الرسائل أو الكتب المؤلفة في نصر السنن و إماتة البدع، تقرّ بها عين السنة و السنين، وينشرح لها صدور المؤمنين، وتكون نكبة على أولئك الغاشين للإسلام و المسلمين من جهلة المسلمين و من أحمرة المستعمرين الذين يجدون من هذه البدع أكبر عون لهم على استعباد الأمم، فيتخذون هذه البدع التي ينسبها البدعيون إلى الدين الإسلامي مخدّراً بها عقول الجماهير و إذا تخدّرت العقول و أصبحت تروّج عليها الأوهام وجدت الأجواء التي يرجوها غلاة المستعمرين للأمم المصابة برؤساء دينين أو دنيويين يغشّون أمم و يتاجرون فيها«.
كما ترك الشيخ رحمه الله تعالى مجموعة من المقالات القيّمة و البحوث النافعة و التعليقات البديعة في جرائد و مجلات »جمعية العلماء«،گ »المنتقد« و »الشهاب« و »البصائر« و غيرها مما لو جمع لكان مُصَنَّفاً جليلاً و بالإضافة إلى كل ذلك، هناك »الرسائل الخاصة« التي كانت متداولة بينه و بين الشباب، وقد أربت على »مائتى رسالة«، فيها الأخوية الودية، وفيها العلمية ذات الوزن في التحقيق و التدقيق، و فيها الأدبية الرائعة، و التارخية التي تشير إلى وثائق خاصة في عهد من العهود، أو تثير تساؤلات حول شخصية فذة أو عبقرية تحتاج إلى تقديمها، في الإطار المهذب و اللون الباهر و البيان الكاشف، حتى توضع موضعها اللائق بها من ترانا الثري، و أدبنا الغني، وماضينا المجاهدة«.
وفاته:
بعد خروج الشيخ مبارك رحمه الله من »الأغواط« حوالي (١٩٣٣م)، ابتلي بداء عضال و مرض مزمن مضني، أنهك قواه ونغّص عليه حياته، ألا و هو »داء السكري« وقد حاول الشيخ علاجه غير مرة في الجزائر بل وخارجها فسافر من أجله إلى »فيشي« بفرنسا، ولكنه سرعان ما عاوده، كما وقع له سماعه خبر وفاة شيخه العلامة ابن باديس في (١٦ إبريل ١٩٤٠) قال رحمه الله:
»عندما سمعت لدى وصولي إلى قسنطينة بموته شعرتُ أن الدورة الدموية أصبحت تسير في عكس الاتجاه المعهود، وعرفت في الحين أن داء السكر قد عاودني و أنه لن يفارقني حتى يقضى عليّ«.
وكذلك قدّر، فقد أخذت صحته في الانهيار حتى وافاه الأجل يوم (٢٥ صفر ١٣٦٤ه الموافق ل ٩/ ٢/ ١٩٤٥م)، وشيّعت جنازته من الغد في موكب مهيب بحضور آلاف عديدة من محبّيه و أصدقائه وزملائه وردوا من سائر الجهات، وفي مقدمتهم العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى ودفن في مقبرة الميلة، رحمه الله تعالى، ورثاه جمع من أهل العلم و الفضل.

Posted in تراجم | Leave a comment

جوانب الإصلاح في دعوة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

هذه نبذةُ مختصرةُ و كلمةُ موجزةُ عن المكانةِ العلميَّة التي تَبَوَّأَهَا العلاًمةُ الشَّيْخُ محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله مع بيان بعضِ آثاره و أعماله الإصلاحيَّة التي خلَّفها بعده.
فهو رحمه الله تعالى علاَّمة المغرب العَربِيَّ بحقٍ، و أحد أئمّة النهضةِ العلمية في العالم الإسلامي، ورائدُ من روّاد الإصلاح في القطر الجزائريّ، و هو من الأفْذَاذِ المعْدودِينَ يعِزُّ أن يُوجد له نظِيرُ في العِلم و العمل، و لا يكاد يكون في كلَّ زَمان مثلُه إلاَّ في فترات من الدَّهر ليكون جَذْوَةً و سِرَاجًا منيرًا يَهْتَدِي به المصلحون، و شِهابًا ثاقبًا على الباطل و أهلِه، يفضح مكرَهم و تلبيسَهم، و يكشف شُبُهَاتِهم، فَيَذُرهَا عاريةً باديةً للعَيَانِ، لا يُوَارِي زَيْفَهَا و لا يستر زخرفها حجاب، ليحْيى من حي عن بينة و يهِلك من هلك عن بينة.
الظروف التي ظهرت فيها دعوة الشيخ البشير الإصلاحية :
لقد ظهر صوت هذا العالم الكبير و الدَّاعية المصلح الحكيم في مرحلةٍ تاريخية حاسمة، قد أخنى فيها الاستعمار الفرنسيُّ على الجزائر و تمكّن منها، و أفرغ فيها جميع شروره، و سَدّ في وجهها جميع أبواب التّطُّور و الرُّقيَّ، فأضعف الدّين في النفوس و نشر الفساد في المجتمع، و عمد إلى تجهيل النّاس و خنق الأنفاس، و قطع الصلات بين الجزائر و جيرانها، و لا توجد كلمة أصدق في التعبير عن حقيقته، و كشف أهدافه و غاياته من كلمة البشير نفسه حيث يقول : « جاء الاستعمار الفرنسي إلى هذا الوطن كما تجيء الأمراض الوافدة، تحمل الموت و أسباب الموت »١ و يقول في موضع آخر في بيان حقيقة الاستعمار و أعماله في الجزائر : « و الاستعمار سُلُّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصّحيح، و هو في هذا الوطن قد أدار قوانينه على نسخ الأحكام الإسلامية، و عبث بحرمة المعابد، و حارب الإيمان بالإلحاد، و التّعليم بإفشاء الأميّة، و البيان العربيّ بهذه البلبلة التي لا يستقيم معها تعبير و لا تفكير»٢
لقد عمل المستعمر جادّا على تحقيق تلك الأهداف الخبيثة و الغايات الدّنيئة، و سخر في سبيل ذلك كلّ ما تحت يده من إمكاناتٍ ووسائل حتى ظنّ أنّ شُعلة الإسلام قد انطفأت في هذا الوطن، و أنّ لغة القرآن الكريم قد اختلفت من الوجود و إلى الأبد، و لكن هيهات فأنّى لمخلوق ضعيف أن يُطفئ نور الله بفهمه أو مكره، و قد أبى الله إلاّ أن يُتمه و لو كره الكافرون.
فكان من البدهي في ذلك الظّرف العصيب الاهتمام بالجانب الإصلاحي للنّهضة بالأمّة، و العملُ على إصلاح ما أفسده الاستعمار لأنّه لا يمكن التخلص من المستعمر مع بقاء أسباب وجوده وقوّته في الأمّة.
لذلك نَجِد الشّيخ – رحمه الله تعالى – اعتنى عناية عظيمة بإصلاح ما أفسده الاستعمار واهتم بذلك اهتمامًا كبيرًا، بل كان هو الهدف الرئيسيّ الذي أُسست لأجله « جمعية العلماء المسليمين » التي هو أحد أعضائها و نائب رئيسها، و في ذلك يقول – رحمه الله – « لَبِثتْ عواملُ الاستعمار تهدم من هيكل الإسلام و لا تبني، و ترمي المقوٌمات الإسلامية و الخصائص العربية في كل يوم بفَاقِرَة من المسْح، إلى أن تكونت جمعية العلماء المسليمين الجزائرين منذ خمسةَ عشرَ عامًا، تكوُّنًا طبيعيّا كأنه نتيجة لازمة لتلك الحالة، و قامت تعمل لإصلاح الإسلام بين المسلمين، و للمطالبة بحقوقه المغضوبة، و بحرية لغته المسلوبة، و سمع الاستعمار لأوّل مرة في حياته بهذه الديار نغمة جديدة لم تأْلفها أذُناه، تدعو إلى الحقّ في قوّة، و تُطالب بالإنصاف في منطق، و أحسن دبيب الحياة و الشعور الإسلامي، فلم ينظر إلى ذلك كلّه أنه حق طبيعي معقول».
جوانب الإصلاح في دعوة الشيخ البشير الابراهيمي :
يمكن تصنيف أعمال الشّيخ الإبراهيمي الإصلاحية تحت محورين كبيرين، محور الإصلاح الدّيني، و محور الإصلاح الجتماعيّ، و هناك تلازم ضروري بين المحورين في نَظِره لتحقيق النهوض بالبلاد ثقافيّا واجتماعيّا فيقول – رحمه الله -
« و الحقيقة أن هذه الجمعية تعمل من أوّل يوم تكوينها للإصلاح الدّيني و الإصلاح الاجتماعي، و كل ذلك يسعُ الاسلام، و كلّ ذلك يسعه مدلولها و مضمونها و قانونُها‪,‬ فالإسلام دين اجتماع، و إذا كانت دائرة الأوّل محدودة فإنّ دائرة الثّاني واسعة الأطراف، و إنّ الإصلاح الدينيّ لا يتمُّ إلاّ بالإصلاح الاجتماعيّ، و لهذا الارتباط بين القسمين، فإن جمعيةَّ العلماء عملت منذُ تكوينها في الإصلاحَيْن المتلازمين، و هي تعلم أن المسلمَ لا يكون مسلمًا حقيقيًّا مستقيمًا في دينه على الطّريقة حتى تستقيم اجتماعية فيحسن إداكه للأشياء، و فهمه لمعنى الحياة، و تقديره لوظيفته فيها، و علمه بحظَّه منها، و ينضج عقله و تفكيره، و يُلِمُّ بزمانه و أهل زمانه، و يتقاضى من أفراد المجموعة البشريّة ما يتقاضوْنه منه من حقوقٍ و واجباتٍ، و يرى لنفسه من العِزّة و القوَّة ما يرونه لأنفسهم، و تربط بينه و بينهم رابطة الأخوة و المساواة و المصلحة، لا رابطةَ السّيادة عليه و الاستئثار دونه»٤
المحور الأول – الإصلاح الدينيُّ:
إن الغاية العظمى و الهدف الأسمى من هذا الإصلاح هو إرجاع المسلمين إلى كتاب ربَّهم و سنةّ نبيّهم صلى الله عليه و سلم ، وربطِهم بسلفهم الصّالح و ماضيهم المشرق، لأن حاضر الأمة و مستقبلها إذ لم يُبْينَ على جذور متينة من الماضي لن يثمر، فهو كشجرة هشّةٍ اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، أو كبنيان أُسّس على شفا جرف هار فيوشك أن ينهار.
فقد عمل الشّيخ – رحمه الله – في هذا المجال على تحقيق مايلي :
‫*‬ تحريرالعقول من الضّلالات و الاوهام في الدّين و الدّنيا، و تحرير النفوس من تأليه الأهواء و الرّجال و في ذلك يقول – رحمه الله – « إنّ تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان و أصل له، و محال أن يتحرّر بدن يحمل عقلاً عبدًا، إنّ هذا النوع من التحرير لا يقوم به، و لا يقوى عليه إلاّ العلماء الرّبانيّون المصلحون، فهو أثر طبيعي للإصلاح الدّيني الّذي اضطلعت بحمله جمعية العلماء، عرف ذلك من عرفه لها إنصافًا، و أنكره من أنكره عنادًا و حسدًا»٥.
‫*‬ إصلاح عقائد المسلمين و إراداتهم لتصحّ عباداتهم و أعمالهم، لأن العبادات هي أثر العقائد كما أن الأعمال هي أثر الإرادات، فما انْبَنَى منها على الصّحيح فهو صحيح، و ما انْبَنَى على الفساد فهو فاسد.
و يشرح الشّيخ – رحمه الله – الطّريقة الّتي يتمُ بها ذلك : « إنّ في الفقه فقهًا لا تصل إليه المدارك القاصرة، و هو لُباب الدّين و روح القرآن، و عُصارة سنّةِ محمد صلى الله عليه و سلّم و هو تفسير أعماله و أقواله و أحواله و مآخِذه و مَتَرِكَه، و هو الذي ورثه عنه أصحابه و أتباعهم إلى يوم الدّين، و هو الذي يَسْعَدُ المسلمون بفهمه و تطبيقه و العمل به، و هو الذي يجلب لهم عِزَّ الدّنيا و الآخرة، و هو الذي نريد أن نُحْييه في هذه الأمة فتحيَا به و نُصحح به عقائدها، و نقوم به فهومَها فتصح به عباداتها و أعمالها»٦
‫*‬ إصلاح ما أفسده التّعصب المذهبي، و الجمود الفقهيُّ و الرضا بالتقليد، و هو ما أبعد المسلمين عن الدّين الحقّ، ورمى بهم إلى مؤخرة الرّكب بين الأمم، و ذلك بالرجوع بهم إلى الموْرِدِ الصافي النقيّ و المنهل العذب الزُّلال المتمثل في كتاب الله تعالى و سنّةِ رسوله صلى الله عليه و سلّم وفْقَ الطريقة التي سار عليها سلفُنا الصالح رضي الله عنهم من إراد الدليل و التعليل في الفقه و الفتوى و التعليم.
يقول – رحمه الله – : « و لو أنّ فقهاءَنا أخذوا الفقه من القرآن، و من السُنَّة القولية و الفعلية، و من عمل السلف، أو من كتب العلماء المستقلين المستدلين التي تَقرن المسائل بأدلتها،وتبين حكمة الشارع منها، لكان فقههم أكمل، و آثاره الحسنة في نفوسهم أظهر، و لكانت سلطتهم على المستفتين من العامة أمتن و أنفذ، و يدهم في تربيتهم و ترويضهم على الاستقامة في الدّين أعلى»٧
المحور الثاني – الإصلاح الإجتماعي:
من القضايا الإجتماعية التي تناولها قلم الشيخ البشير الابراهيمي بالتمحيص و العلاج.
‫*‬ قضية الزواج و المغالاة في المهور، حيث صار أكثر الشباب يعرضون عنه إلى سنّ متأخر من العمر فيحدث بسبب ذلك فساد في الاخلاق و الاعراض و الاموال، و إذا ازدادت هذه الظاهرة انتشارًا و فشُوّا واستحكمت، فإنّ الأمة تتلاشى و تندثر، فقال مبيّنًا خطورة هذا الأمر و أهمية الإصلاح فيه:
« تعاني الأمة الجزائريّة و جاراتها المتّحدة معها في الدّين و الجنس،….عدّة مشاكل اجتماعية، لا يسع المصلحين إغفالها، ولا السّكوت عليها بعد ظهور آثارها و تحقق أضرارها، و ستعالج «البصائر» طائفة من أمهاتها، بيان نتائجها و بيان وجه الرأي في علاجها…. فإنّ من بعض هذه المشاكل مالو تمادى وامتد لأتى بنيان الأمة من القواعد، و قضى عليها بالمسخ أولاً، و التلاشي أخيرًا.
أعضل هذه المشاكل، و أعمقها أثرًا في حياة الأمة، و أبعدها تأثيرًا في تكوينها، مشكلة الزواج بالنسبة إلى الشبان»٨
فعمل على إزالة الأسباب التي أدت إلى هذه الظّاهرة، و هي في الغالب تعود إلى العوائد و التقاليد الفاسدة التي بدّلت حكم الله تعالى و نسخت سنةّ رسوله صلى الله عليه و سلم.
و من تلك العوائد السّيئّة المغالاة في المهور، يقول – رحمه الله – :
« من أمراضنا الاجتماعية التي تنشر في أوساطنا الفساد و الفتنة، و تُعجل بها إلى الدَّمار و الفناء – عادة – المغالاة في المهور….. و قد كانت هذه القضية – و ما زالت – أهم ما تَضَمّنَهُ مناهجنا في الإصلاح الجتماعي، فعالجناها بالتّرغيب و التّرهيب، و بيان ما تقتضيه الحكمة الشّرعية، و ما يقتضيه الحكم الشرعي، تناولناها في الخطب الحمعية، و في الدّروس و في المحاضرات العامّة، و في المقالات المكتوبة، و حملنا الحملات الصّادقة على العوائد التي لابَسَتْهَا، فأفسدتها حتَّى صيّرت الزّواج الَّذي هو ركن الحياة أعسر شيءٍ في الحياة »٩.
‫*‬ و من القضايا الاجتماعية التي عالجها كذلك : قضيَّة التّعليم، لأنه هو مادَّةُ الإصلاح و أصله، فاهتَمَّ بإصلاح التّعليم في داخل الوطن و خارجه، فكان من أعماله السّعيُ لإنشاء المدارس الحرّة و المعاهد، و إرسال بعثات من الطّلبة المتخرَّجين منها إلى المشرق لإكمال تحصيلهم العلمي ليتولّوا بعد ذلك مهمّةَ التّعليم في بلدهم.
و لشِدّةِ حرصه – رحمه الله – على نجاح هذه المهمة كان لا يغفلُ عن مراقبة الطّلبة في مراحل تعليمهم في الخارج، مستعيناً بجمعيّة المعلّمين الّتي أنشأتْها جمعيّةُ العلماء المسلمين، و في ذلك يقول – رحمه الله تعالى – : « و جمعيّة العلماء تعتقد أنه لا يتم إصلاح التعليم في الدّاخل إلا إذا تَمَّ إصلاحه في الخارج، لشدّة الاتصال بينهما، و لأنّ التّعليم في الخارج هو الّذي يغذّي التعليم الدّاخليّ بالمعلمين، و محال أن ينال التعليم الدّاخلي خيرًا من معلمين يتخرجون من المقاهي، و يحصّلون معلوماتهم من الجرائد الحزبيّة، و يتدرّبون في ميادين الحزبيّة على السباب، و تنقّض التعليم، و التنكر للعلم…
إن جمعيّة المعلمين مصَمَّمَةٌ على أن تحوط التعليم في الخارج برقابة تمدُّها على التلامذةِ، و نصائح تشتدُّ فيها، ليحذروا أولئك اللّصوص، و لينقطعوا إلى العلم، و ليضعوا بين أعينهم الواجب الّذي ينتظرُهم في وطنهم، و هو التعليم»١٠.
‫*‬من الجوانب الإصلاحية التي نالت اهتمامات الشّيخ البشير الإبراهيمي – رحمه الله – ، الإصلاح في باب السّياسة، و هي جزءُ من الإصلاح الاجتماعي، فعمل على تصحيح مفهوم السياسة ببيان ما يدخل تحتها من المعاني الصّحيحة المقبولة و المعاني الفاسدة المرفوضة و ذلك عند الحكَّام و المحكومين، و إرشاد الطّائفتين للّتي هي أقوم من معانيها.
أما معناها عند الحاكمين فيقول فيه: « إنّ أعلى معاني السّياسة عند الحاكمين هو تدبير المماليك بالقانون و النّظام، و حياطة الشعوب بالإنصاف و الإحسان، فإذا نزلوا بها صارت بمعنى التّحيُل على الضّعيف ليؤْكَلَ، و قتل مقوماته ليهضم، و الكيد للمستيقظ حتى ينام، و الهَدْهَدَةِ للنَّائم حتّى لا يستيقظ.
و هذا المعنى الاخير هو الذي جرى عليه الاستعمار، ووضعه في قواميسه و أقرّه في موضعه من نفوس رجاله و دعاته بحيث إذا أطلق بينهم لفظ السّياسة لا يفهمون منه إلاّ هذا….هذا معنى السّياسة عند الحاكمين عاليًا و نازلاً»١١.
و أما معناها عند المحكومين فيقول فيه : « فأعلى معانيها إحياءُ المقومات الّتي ماتت أو ضَعُفَتْ أو تراخت، من دين و لغة و جنس و أخلاق و تاريخ و تقاليد، و تصحيحُ قواعدها في النُفوس ثمّ المطالبة بالحقوق الضَّائعة في منطقٍ و إيمانٍ… مع اختيار الفُرص الملائمة لكلّ حالة، درجاتٌ بعضها فوق بعض، فإذا نزلوا بها صارت إلى هذا التّحاسد على الرّياسة و هذا التّهافتِ على كراسي النيابة، و هذه المناقشات الفارغة في القُشورِ، و هذا الجدل الشّاتم السّباب، و هذا الافْتِتَانِ المُزْري بالأشخاص، و كلٌّ ذلك نراه على أقبح صُوَرِه في المجتمع الجزائريّ… »١٢.
و ختاماً، أقول : إنّ أعمال الشّيخ الإصلاحية في هذه المجالات ذاتُ أفنان، لها فروع و تفاصيل لا يمكن استقصاؤها في هذه العجالة، لذا اقتصرت على ذكر أهمها و ما يكون دليلاً على مالم يذكر منها فإنّ: « ضوء البرق المنير ينْبِئُ عمّا وراءه من المطر الغزير».
و سبحانك اللهم و بحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك.

Posted in مقالات | Tagged , , | التعليقات مغلقة

البشير الإبراهيمي بقلمه (المرحلة الخامسة ج)

قال الشيخ البشير البراهيمي كانت السنة الأولى من عمر الجمعية سنة غليان : من جهتنا في تكوين الشّعب في كلّ مدينة ، و كلّ قرية لتنفيذ مقاصد الجمعية ، و غليان السّخط علينا من الاستعمار لأننا فاجأناه بما تركه مشدوها حائرًا لا يدري ما يفعل ، و لا من أين يبدأ في مقاومة حركاتنا ، و يزرعون الوعي ، و يراقبون حركة التعليم و يحضرون أماكنه.
و عقدنا الاجتماع العامّ في السنة الثّانية فكانت النتيجة باهرة ، و العزائم أقوى ، و الأمّة إلينا أميل ، و خرج المتردّدون عن تردّدهم فانضموا إلينا و أعيد انتخاب المجلس ، فأسفر عن بقاء القديم ، و زيادة أعضاء ظهرت مواهبهم في العمل ، و كشّر الاستعمار عن أنيابه فبدأ بمنعنا من إلقاء الدّروس في المساجد الواقعة في قبضته ، و ثارت نخوة الأمّة ، فأنشأت بمالها بضعة ، و تسعين مسجدا حرّا في سنة واحدة في أمّهات القرى.
في هذه السنة قّررت إدارة الجمعية تعيين العلماء الكبار في عواصم المقاطعات الثّلاث ليكون كلّ واحد منهم مشرفا على الحركة الإصلاحيّة و العلميّة في المقاطعة كلّها ، فأبقينا الشّيخ ابن باديس في مدينة قسنطينة و حملناه مؤونة الإشراف على الحركة في جميع المقاطعة ، و خصصنا الشيخ الطّيب العقبي بالجزائر ، ومقاطعتها ، وخصصّوني بمقاطعة وهران وعاصمتها العلمية القديمة تلمسان ، و كانت هي إحدى العواصم العلمية التاريخية التي عليها الدّهر فانتقلت إليها بأهلي ، و أحييت بها رسوم العلم ، و نظمت دروسا للتلامذة الوافدين على حسب درجاتهم ، و ما لبثت إلاّ قليلا حتى أنشأت فيها مدرسة دار الحديث ، و تبارى كرام التّلمسانيين في البذل لها حتى برزت للوجود تحفة فنية من الطّراز الأندلسيّ ، و تحتوي على مساجد و قاعة محاضرات ، و أقسام لطلبة العلم ، واخترت لها نخبة من المعلمين الأكفاء للصغار ، و توليت بنفسي تعليم الطّلبة الكبار من الوافدين ، و أهل البلد ، فكنت ألقي عشرة دروس في اليوم ، أبدأها بدرس في الحديث بعد صلاة الصبح ، و أختمها بدرس في التفسير بين المغرب ، و العشاء ، و بعد صلاة العتمة أنصرف الى أحد النوادي ، فألقي محاضرة في التّاريخ الإسلاميّ ، فألقيت في الحقبة الموالية لظهور الاسلام من العصر الجاهلي الى مبدأ الخلافة العباسية بضع مئات من المحاضرات.
و في فترة العطلة الصيفية أختم الدّروس كلّها ، و أخرج من يومي للجولان في الإقليم الوهراني مدينة مدينة و قرية قرية ، فألقي في كلّ مدينة درسا ، أو درسين في الوعظ و الإرشاد ، و أتفّقد شعبها ، و مدارسها ، و كانت أيّام جولتي كلّها أيام أعراس عند الشّعب ، و يتلقونني على عدّة أميال من المدينة ، أو القرية ، و ينتقل بعضهم معي إلى عدّة مدن و قرى ، فكان ذلك في نظر الاستعمار تحديا له و لسلطته ، و في نظر الشّعب تمجيدا للعلم ، و الدّين ، و إغاضة الاستعمار فإذا انقضت العطلة اجتمعنا في الجزائر العاصمة ، و عقدنا الاجتماع العام ، و في أثره الاجتماع الإداري ، و قدّم كلّ منّا حسابه ، و نظمنا شؤون السنة الجديدة ، ثم انصرفنا إلى مراكزنا.
بلغت إدارة الجمعية ، و هي في مستهلّ حياتها من النّظام و القوّة مبلغا قويا بديعا ، فأصبحنا لا نتعب إلاّ في التنقّل ، و الحديث ، أمّا الحكومة الاستعماريّة فإننا بنينا أمرنا من أوّل خطوة على الاستخفاف بها و بقوانينها ، و قد كنّا نعلن في جرائدنا كلّ أسبوع بأنّ القوانين الظّالمة لا تستحقّ الاحترام من الرّجال الأحرار ، و نحن أحرار فلتفعل فرنسا ما شاءت ، و كان هذا الكلام و مثله أنكى عليها من وقع السّهام لأنها لم تألف سماعه ، و قد اطمأنت إلى أن الشّعب الجزائريّ قد مات كما صرّح بذلك أحد ساستها الكبار في خطبة ألقاها على ممثّلي الأمم في المهرجان الّذي أقامته في عيدها المئويّ لاحتلال الجزائر ، و كان مما قال : لا تظنّوا أنّ هذه المهرجانات من بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن ، فقد أقام الرّومان قبلنا فيه ثلاثة قرون ، و مع ذلك خرجوا منه ، ألا فلتعلموا أن مغزى هذه المهرجانات هو تشيع جنازة الاسلام بهذه الديار.
و كانت أعمال الإخوان في المقاطعتين الأخريين متشابهة لأعمالي بمقاطعة وهران لأننا نجري على منهاج واحد ، و نسير على برنامج واحد عاهدنا الله على تنفيذه.
و لما ضاقت فرنسا ذرعا بأعمالي ، و نفدّ صبرها على التّحديات الصّارخة لها ، و أيقنت أنّ عاقبة سكوتها عنّا هو زوال نفوذها ، و خاتمة استعمارها ، اغتنمت فرصة نشوب الحرب العالمية الثّانيّة ، و أصدر رئيس وزرائها إذ ذاك ( دالادي ) قرارًا يقضي بإبعادي إلى الصحراء الوهرانيّة إبعادا عسكريّا لا هوادة فيه ، لأنّ في بقائي طليقا حرّا خطرا على الدّولة ، كما هي عبارته في حيثيات القرار ، و وكّل تنفيذ قراره للسطة العسكريّة ، فنقلوني للمنفى في عاشر مارس سنة ١٩٤٠ و بعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشّيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء كان يحسّ به من سنوات ، و يمنعه انهماكه في التّعليم ،و خدمة الشّعب من التفكير فيه ، و علاجه ، وقد شيّع جنازته عشرات الألوف من الأمّة رغما عن قسوة الأحكام العسكريّة وقت الحرب ، واجتمع المجلس الإداري للجمعية و رؤساء الشّعب يوم موته ، وانتخبوني رئيسا لجمعية العلماء بالإجماع ، و أبلغوني الخبر ، و أنا في المنفى ، فأصبحت أدير الجمعية و أصرف أعمالها من المنفى بالرّسائل المتبادلة ، بيني و بين إخواني بواسطة رسل ثقات ، و كنت حين بدأت نذر الحرب تظهر و غيومها تتلبّد أجتمع بالشّيخ ابن باديس في داري بتلمسان فقرّرنا ماذا نصنع إذا قامت الحرب ، و قرّرنا من يخلفنا إذا قبض علينا ، و قلّبنا وجوه الرّأي في الاحتمالات كلّها ، و قدّرنا لكلّ حالة حكمها ، و كتبنا بكلّ ما اتّفقنا عليه عليه نسختين ، و لكن كانت الأقدار من وراء تدبيرنا فقبضه الله إليه ، بقيت في المنفى ثلاث سنين تقريبا ، و لما أطلق سراحي من المنفى أوّل سنة ثلاث ، و أربعين كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس ، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثا ، و سبعين مدرسة في مدن ، و قرى القطر كلّه ، كلّها بأموال الأمّة ، و أيديها ، واخترت لتصميمها مهندساً عربياً مسلما فجاءت كلّها على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أّنها نتائج فكرة واحدة.
و تهافتت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتّى أربت على الأربعمائة مدرسة ، و لم أتخل بعد رئاستي للجمعية و خروجي من المنفى عن دروسي العلميّة للطلبة ، و للعامّة و لما رأتْ فرنسا أنّ عقابها لي بالتغريب ثلاث سنوات لم تكف لكسْر شرتي ، و أنّني عدت من المنفى أمضى لساناً و قلباً ، و عزيمة مما كنت ، و أنّ الحركة الّتي أقودها لم تزدد إلاّ اتساعا ، و رسوخا انتهزتْ فرصة نهاية الحرب ، و دبّرت للجزائريّ المسلم ستين ألفا ، و ساقت إلى المعتقلات سبعين ألفا معظمهم من أتباع جمعية العلماء ، و ألقتْ بي في السّجن سنة إلا قليلا ، ثم أخرجوني بدعوى صدور عفو عام على مدبّري الثّورة ، و مجرميها ، و كان من ( زملائي ) في السّجن الدّكتور محمّد شريف سعدان رحمه الله ، و الصيدلي عبّاس فرحات ، و المحامي محمّد شريف حاج سعيد ، و غيرهم.
و لما خرجتُ من السّجن عدت إلى أعمالي أقوى عزيمة مما كنتُ ، و أصلب عودا ، و أقوى عناداً ، و عادت المدارس الّتي عطّلتها الحكومة زمن الحرب ، و أحييتُ جميع الاجتماعات الّتي كانت معطّلة بسبب الحرب ، و منها الاجتماع السنويّ العام ، و أحييت جريدة البصائر الّتي عطّلناها من أوّل الحرب باختيارنا باتّفاق بيني ، و بين ابن باديس لحكمة ، و هي أنّنا لا نستطيع تحت القوانين الحربية أن نكتب ما نريد ، و لا يرضى لنا دينُنا ، و همتنا ، و شرف العلم ، و سمعة الجمعية في العالم ، أن نكتب حرفا مما يراد منّا ، فحكمنا عليها بالتعطيل و قلنا : بيدي عمْرو ، و حسنا فعلنا ، كذلك عطّلنا مجّلة الشّهاب النّاشرة لأفكار الجمعية.
و لما قرّرنا إحياء جريدة البصائر ألزمني إخواني أن أتولى إدارتها ، و رئاسة تحريرها ، فقبلتُ مكرها ، و تضاعفت المسؤوليات ، و ثقلت الأعباء ، فرئاسة الجمعية ، و ما تستلزم من رحلات ، و ما يتبع الرّحلات من دروس و محاضرات ، كلّ ذلك كان يستترف جهدي ، فكيف إذا زادت عليها أعباء الجريدة و تحريرها ، و لكنّ عّون الله إذا صاحب أمرا خفّت عليه الأثقال.
كنتُ أقوم للجمعية بكلّ واجباتها ، و أقوم للجريدة بكلّ شيء حتّى تصحيح النماذج ، و أكتبُ الافتتاحيات بقلمي ، و قد تمرّ الليالي ذوات العدد من غير أن أطعم النوم ، و قد أقطع الألف ميل في اللّيلة الواحدة ، و ما من مدرسة تفتح إلاّ ، و أحضر افتتاحها ، و أخطب فيه ، و ما من عَداوة تقع بين قبيلتين ، أو فردين إلاّ ، و أحضر بنفسي ، و أبرم الصّلح بينهما ، و أرغم الاستعمار الّذي من همه بثّ الفتن ، و إغراء العداوة ، و البغضاء بين النّاس ، فكنتُ معطّلا لتدبير في جميع الميادين.

Posted in تراجم | التعليقات مغلقة

حركة العلم و الأدب في الجزائر ٣

قال الشيخ مبارك الميلي : فأما الدور الذي يليه فإمامه هو الاستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس قسنطيني، عريق في المجد، مجد العلم و الرياسة. أخذ بها عن الشيخ حمدان الونيسي. و أتم معلوماته بجامع الزيتونة، و حصل على شهادته بنوعيها نوع العلوم و نوع التجويد. و علم بها على طريقته و نظامه، فجمع به بين التحصيل و التمثيل.
ثم رجع إلى قسنطينة فعكف على التعليم، مع دؤوب على المطالعة و عناية بصناعة التدريس فاكتسب فقهًا في معارفه الدّينية و اللسانية، وسعةً بذكائه و علمه، واختص بطريقة في التدريس تجمع بين فصاحة التعبير و منطقية الترتيب، إلى حذق في شرح غوامص العبارات و تجلية دقائق المعاني، و لا أجد من أشبّهه به في فقه اللغة و أسرار الدّين و في صناعة التدريس إلاّ أعلام العهد الأندلسي.
انتصب في قسنطينة مدرسًا متبرعًا بعلمه، واشتهر علمه، فهرع إليه الطلبة من الآفاق البعيدة، و عادت قسنطينة تزخر بملتمسي العلم أكثر مما بلغته في العهد المجاوي، إذا حصلت فيها فترة بعد انتقال المجاوي إلى الجزائر و قبل عودة ابن باديس. و كانت فترة بين حركتين أدركهما الناس جميعًا، فقارنوا بينهما و سمعنا من عامتهم تفضيل هذا الدور لأول عهدهم به، و من هنا جعلنا نحن هذين الرجلين عليمين لهذين الدورين من حركة التعليم.
انقطع ابن باديس للتعليم عشر سنوات هزت الوطن مبشرة. ثم نفع تعلمه المسجدي تهذيب الشعب عن طريق الصحافة، فكان عمله الصحافي أوسع صدى و أعمق أثرًا. و قد كانت الصحافة قبله مثل الخطابة الجمعية من جمع فيها بين فصاحة اللسان و غناء السجع فقد أدى واجبه. أما التأثر و التأثير المقصودان من كلّ كلام فلا ظل لهما يومئذ عند كتّابنا خطبائنا. و لما تأسست ( جمعية العلماء ) انتخب لرئاستها و لا يزال رئيسها أمد الله في حياته، فنهض بها نهضة ثبتتها خطتها، و سيّرتها حثيثًا. و المطلع على الزوابع التي ثارت على هاته (الجمعية) نفسها يعجب لمحافظة رئيسها على بقائها، فضلاً عن تقوية حيويتها.
هذه ميادين ثلاثة ؟ ميدان الدرس العلمي، ميدان القلم الصحفي، و ميدان الجمعية النظامي، قد قام ابن باديس في كلّ منها بواجبه، كأن لا مزاحمة بينها على شخصه الضعيف. فقدم عن طريقها لشعب الجزائر خدمات جليلة نهضت به نهوضًا لا انتكاس بعده إن شاء الله. فكنّاه إخوانه لذلك * أبا النهضة الجزائرية * و هي تكنية تدل على شكر الشعب لمنقذه. و ما الشكر إلا معرفة النعمة و القيام بحقها اعترافًا وامتثالا، و في ذلك حجة المتفائلين لحياة الجزائر.
و بعد فلسنا نقصد إلى ترجمة الاستاذ، و إنما أجملنا من حياته ما لا بد منه لعرض الموضوع.
مصادر التعليم في هذا الدور هي مصادره فيما قبله، لكنما تغيرت أهميتها. فالتعليم الرسمي فقد أغلب شيوخه الكبار ممن يراهم الناس أهل صلاح ووقار، فضعفت منزلته في المجتمع، فلما كشفت النهضة الحديثة عن اهتمام الشعب بالتعليم الحر زاحمها التعليم الرسمي بزيادة مراكزه لكنها زيادة مادية لم تمنح لذلك التعليم منزلته الأدبية.
و أصيب تعليم الزوايا في كميته و كيفيته بانصراف رؤسائها إلى التسابق في تضخيم الثروة، و التنافس في التقرب من الحكام، و إعداد العدة لإضافتهم اكتسابًا لقوة مادية تسد الفراغ الذي حصل لهم عند العامة من تقصيرهم عن سلفهم في التدّين و فعل الخير.
و عادت الأهمية للتعليم الشعب إلى ثلاث أنواع :
الأول :
تعليم الكتاتيب القرآنية، و هو طراز قديم و بقية مِمّا تركت الأجيال الغابرة، و يوجد في البوادي و الحواضر. و قد زاحمته المكاتب الفرنسية ذات الأنظمة الحديثة المريحة للتلميذ في جلسته، و الذاهبة بهندستها لرغبته، و المزيلة بتربية معلمها لدهشته، ثم الآخذ بقانونها الإجباري لأهمّ وقته، فضعفت منزلة الكتاتيب في هذا الدور لذلك و كادت تعدم فائدتها.
الثاني :
التعليم المسجدي و هو للطلبة و للعامة. فأما العامة فكانوا يحضرون للمسجد إما لطلب الاعتقادات من كتب الكلام أمثال (صغرى السنوسي)، و إما لمعرفة العبادات من كتب الفقه كا(ابن عاشر و خليل). و في هذا الدور أصبحوا يحضرونه لمعرفة الاعتقادات من آيات الله و لمعرفة العبادات من كتب السنةّ كالموطأ، و لمعرفة الشمائل من شمائل الترمذي أو الشفاء، و لسماع العظات من القرآن و الحديث. فالتعليم المسجدي اليوم يقوم على الكتاب و السنةّ من غير أن يحارب كتب الكلام و الفقه، و إنما يحارب كتب المناقب و الرقائق المحشوة بالموضوعات و الأساطير. و التعليم المسجدي ليس بجديد و إنما الجديد فيه دراسة الكتاب و السنةّ و توجيه العامة إليهما في اعتقاداتها و عباداتها و سلوكها.
و أما الطلبة المسجديون فقد نظموا في هذا الدور تنظيمًا يميز كلّ طبقة من أخرى، و يعطيها من المعلومات ما يناسبها. و لا تزال مادة تعليمه المتن و الشرح غالبًا. و لكن أسلوبه لم يبق على ما كان عليه فقد صار المعلم يشرح المسألة العلمية مستقلة ثم يعود إلى عبارة المؤلف لينزلها عليها و بيّين و فاءها أو قصورها.
الثالث :
التعليم المدرسي. و هو خاص بالصغار و منظم تنظيمًا حديثًا في مكانه، و مادته، و طبقاته، و أسلوبه، فإذا دخل التلميذ المدرسة و هو من تلاميذ الفرنسية أيضًا لم يجد فارقًا ينقص من قيمة المدرسة في نفسه، بل قد يؤثرها على المكتب الفرنسي، فقد لاحظت و أنا مدير مدرسة (الأغواط) من التلاميذ من يكثرون التخلف عن المكتب الفرنسي و لا يتأخرون عن المدرسة.
و قد انتشر التعلم المدرسي في هذا الدور بالحواضر و القرى و أخذ يدخل البوادي، و لوْلا العرقلة لعمّ الوطن كله و لأصبحنا في أزمة تعليمية من قلة المعلمين لا من زهد المتعلمين.
و هذا الإندفاع للتعليم المدرسي الحر سببه تمسك الشعب بإسلامه و عروبته و مشاهدته لقرب النتائج و يسر الثمرات. أما مستقبل المتعلم فموكول إلى الأقدار.
على أن التعليم المدرسي لا يزال ابتدائيًا و غير مؤثر في الأمة تأثيرًا بينًا، و التلميذ المستغني عن المدرسة الحرة إذا أراد مواصلة سيره نحو الوظيفة التحق بالمدارس الرسمية، و إذا أراد تكميل معلوماته الإسلامية التحق بجامع الزيتونة. و قد يكون في الطرف الغربي، فيذهب إلى جامع القرويين.
و لايزال التعليم، مسجديًا، أو مدرسيًا، في حاجة إلى التنظيم و التحسين و التوسيع، و منذ تأسست (جمعية العلماء) اهتمت بالأمر، فشكلت في عامها الأولَ لجانًا علمية أدبية و وعظية، مزجت فيها بين العالم المصلح و الطرقي ثقةً منها بأن الفكر هو الذي يؤثر في الجامد، و لم تخش داء الجمود أن يصيب المصلح على خلاف قول الأول:

و لا ينفع الجرباء قرب السليمة إليها و لكنّ السليمة تجرُب

غير أن هذا المزج قعد بالمشروع في مكانه، و جاءت فتن الطرقية للاستحواذ على الجمعية فنفتهم عنها، و توجهوا للحكومة يكيدون عندها للجمعية، و حاولت الجمعية مرارًا تنفيذ المشروع فأعادت النظر فيه و عقدت المؤتمرات، و شكلت اللجان، و لكن قلة المال و كثرة المشاغبات و حدوث١ الحركة كلّ ذلك عسر التنفيذ، و زهد شباب العلماء في المغامرة، ولوْلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه لارتكست الحركة و كان رد فعل، لكنها – و لله الحمد – ثبتت و لم تقف في مكانها غير أن سيرها الآن بطيء، و لعل في هذا البطء تمكينًا لها.
و إن من مميزات هذا الدور أن أصبح العلم مبنيًا على الدليل، و الأدب مشاركًا في الحياة معبرًا عن روح العصر في عرض رغائبها و تسجيل حوادثها، و أن أصبح المتعلم و المتأدب متجهين إلى خدمة المجتمع بالوعظ و التذكير و التربية و التعليم و تناول الحسن و القبيح بالتصوير، و أن اتجه الشعب نحو كتابه و حديث رسوله يرجع اليها في وزن عقائده، و يأخذ بهما في صور عبادته، و أن تضاءلت الطرقية أمام حركة الاصلاح تضاؤلاً فقدت به قوتها الايجابية لحماية نفسها، و أن وجدت متكأ قوَّي ناحيتها السلبية في معارضة نحوالحركة الإصلاحية من ناحيتها العلمية والأدبية، و السلب عمل الضعيف.
و كشف هذا الدور عن موهبة الجزائري في ميادين الخطابة و الصحافة و التأليف. فظهر خطباء ارتجاليون مقتدرون على إقناع السامعين بنظراتهم و آرائهم، و رأينا كتابًا موقفين في تفكيرهم، محسنين في تعبيرهم. و قرأنا تآليف مهذبه في التاريخ و الأدب و غيرهما.
على أن فشّو الأمية، و عوارض كلّ حركة حديثة، ممَّا يحمل موهبة الجزائري فوق ما حصل عنها الآن . فالخطابة تعوزها حرية الاجتماع و التفكير، و الصحافة تنقصها حرية النشر و وجود الشركات، و التأليف يقعد به قلة المطابع و كثرة النفقات و ضعف الرغبات.‫
إن هذا الدور خير ممَّا قبله بدرجات تفوق درجات الجماعة على الفذ، و لكنه لم يفقد كل العيوب فيما فبله.
و قد كان لهذا التطور عوامل و أسباب عامة و خاصة، و أخصها و أهمها بالموضوع هو أن قيادته بيد خريجي جامع الزيتونة الذي أقبل الجزائريون عليه إقبالاً لا يقارنه إلاَّ إقبالهم على الجامع الأخضر بقسنطينة، حيث يعلّم إمام هذا الدور الاستاذ عبد الحميد ابن باديس، على أن الجامع الأخضر ينتسب في عهده هذا إلى جامع الزيتونة.
رجحت هذا الدور كفة جامع الزيتونة على كفة جامع القرويين، فقسنطينة المتصلة بتونس هي رأس الحركة الحاضرة. و الجهات الغربية من عمل الجزائر و وهران قد تعرفت أيضًا إلى جامع الزيتونة، و لم يبق للقرويين إلاّ بعض الطلبة على حدرد فاس قعد بهم عن جامع الزيتونة ما قعد قبل بسحنون عن إدراك مالك.
و مِمَّا بقي من آثار الدور القديم فقد الأدب لاستقلاله عن العلم الدّيني. فما زال الأديب مراعى فيه وقار العلماء و عفافهم، و لو أن هذه المراعاة تخرج لنا أدباء متدينين لكانت الخسارة على الأدب وحده، و لكنها تجعل مبالغات الأديب حقائق، و تصوّراته فتاوى، و مدائحه عقائد فكانت الخسارة علمية دينية أدبية.
نعم لنا أدباء صدقوا تدينهم، و أخلصوا في تصوير شعورهم و لم يزالوا في عنفوان شبابهم، فمثلهم من يرجى لخدمة مجتمع لا يفرق جمهوره بين العربية و الإسلام ، و لا بين الشعور و الإعتقاد، و لا بين الخيال و الواقع.
و إذا كانت حركتنا حديثة فلا يضيرها أن توحّد بين العلم و الأدب، فإن الاستقلال إنما يكون بالتخصص، و التخصص آية اكتمال الحركة ونضوجها.

Posted in مقالات | Tagged , | Leave a comment

حركة العلم و الأدب في الجزائر ٢

قال الشيخ مبارك الميلي : لم يقف تاريخ الجزائر حيث وقف ابن خلدون، و إن وقفت الأقلام بعده عن وصل عمله بحلقات من نوع سلسلته، و ذلك مظهر من مظاهر تدليه.
حقّا إن حركة العلم و الأدب لم تنقطع من الجزائر بعد عصر ابن خلدون، ولكن اعتراها الجمود و الشلل، و أصابتها طبيعة الانحطاط المطرد، من تغنّ بفضل السابق على اللاحق تغنيّا مشعرًا بأن ذلك الفضل وهبي لا كسْبي، و إعجاب من المتأخر بالمتقدم إعجابًا ميئشّّا من بلوغ درجته، وإكبار الخلف للسلف إكبار تقديس في غير اقتداء.
لعل الأخ الكريم يريد بحركة العلم و الأدب، الحركة الحاضرة، و لكن الحاضر إنما يبني على الماضي، و الذي تريد مدحه إن لم تجد فيه نعوتًا حقيقة نعتّه بنعوت سببه، على أن للنعت السببي فائدة التذكير الموقظ للشعور، الباعث للعزائم المؤيدة للنصيحة.
إن حركة العلم و الأدب في العصر الحاضر تمتد في ماضيها نحو سبعين سنة يمثلها في نظرنا دوران : الدور المجّاوي القروي، و الدور الباديسي الزيتوني، و لزهادة كتّابنا في هذه المباحث كان هذا التحديد و التسمية من وضعنا في هذا المقال.
المجاوي، هو الشيخ عبد القادر المجاوي، و مجاوة من قرى تلمسان.
تعلم بمسقط رأسه ورحل إلى فارس، و جلس للاستفادة و الاستزادة أمام شيوخ جامع (القررويين) ثم عاد، زار قسنطينة، فاستقر به للتدريس و التصنيف واشتهر ذكره، فأمّه الطلبة من البوادي، و كان يحمل العلوم المقروءة بالقرويين يدرسها بأسلوب يقربها من فهم البليد. فكثر تلاميذه لذلك، ثم توظف عند الحكومة في التعليم الرسمي بقسنطينة ثم بالجزائر : واتفق أن زار بعد ذلك قسنطينة، فتوفى بها و دفن في مقبرتها العامة – رحمه الله -.
و مصادر التعليم في الدور (المجاوي) ثلاثة نرتبها حسب ترتيب أهميتها في نظرنا‪.‬
المصدر الأول التعليم الرسمي. مقسم إلى ثلاث درجات:
الدرجة الابتدائية لها شيوخ في مساجد مخصوصة بمدن الوطن و بعض قراه. و ليست له مدة مضبوطة و إنما يُحد بالامتحان.
و الدرجة الثانية لها ثلاث مدارس بقسنطينة و تلمسان و الجزائر تقبل عددًا معينّا تتفق عليه الحكومة، و سنواتها أربع ينتقل فيها من سنة إلى أخرى بالامتحان.
و الدرجة العالية لها قسم واحد في الوطن بمدرسة الجزائر، و مدتها سنتان. و التعليم الرسمي مع كونه نظاميّا ليس فيه تجديد من ناحيتة العربية . فكتبه قديمة، و طريقته قديمة، نعم تُعلّم الفرنسية في المدارس الثلاث إلى جانب العربية، فاستفاد التلاميذ من ناحيتها شيئًا من حرية الفكرة، و مقدارًا من الشعور، و نصيبًا من تقدير الحياة. و ثمرة هذا المصدر هي التوصل إلى الوظيفة : إما العلمية بالتدريس في المساجد ثم المدارس و إما الشرعية بالانتظام في سلك القضاء الاسلامي و أما القانونية فبالوكالة في المحاكم الابتدائية إسلامية و مدنية.
و فائدة العلم و الأدب من هذا المصدر هي فائدة الحكومات. نعم لكلّ قاعدة شواذ، و لكلّ عموم خصوص، فهناك من خريجي هذا المصدر من نفع بعلمه، و من زان القضاء بسيرته، و من حرك الشعور بأدبه تحريكًا ما.
المصدر الثاني، الزوايا، و هي في القسم القبائلي و لا سيما زواوة مؤسسات علمية، و في غيره مؤسسات طرقية غالبًا.
تدريس بهذا المصدر كتب خاصة في الكلام و الفقه و العربية، و هو يؤوى من التلاميذ الكثير جدًّا، و يزيد على التعليم الرسمي بتحفيظ القرآن و تعليم الرسم المصحفي، و ينقص عنه في حرية التفكير و تربية الملكة، و يتفق معه في قلة الأكفاء من الشيوخ، و ضعف مادة التعليم، و جمود الاسلوب، و يخالفه في توجيه خريجه . فخرجه المصدر الرسمي يتجه غالبًا نحو المادة و العمل لها، و خريج المصدر الثاني يتجه غالبًا نحو الزهادة في الكسب، و فائدة العلم من هذا المصدر تقديس أهله، و فائدة الأدب تحميس المريدين.
المصدر الثالث، التعليم الشعبي، و يكاد ينحصر في تحفيظ القرآن و تعليم رسمه. و هو في هذا أكثر تلاميذ، و أعم مراكز، تجده بالمدن و القرى و البوادي.
أما تعليم العلوم فلا تبلغ مراكزه بالوطن كله العشرة فيما أرى.
و التعليم الشعبي يتقاضى معلمه أجرته من جماعة لا يد للزواية في تكوينها، و لا نظام لها في جلساتها و ماليتها، بل يجتمعون عندما تكون للمعلّم حاجة إلى جمعهم، و يقبض المال من كلّ واحد منهم المعلّمُ نفسه.
و ليس لتعليم الزاوية و الجماعة مستقبل ينتظر خريجه، و لا امتحان يكشف عن حال المتعلم. و إنما يتخرج متخرجه باجتهاد الشيخ و إذنه فيأخذ في البحث عن عمل، فلا يجد عند الشعب و الزاوية لمهمته محلاً إلاًّ قليلاً، ثم لا يجد إلاّ الحَزابة تلاوة حزب مقدر في وقت معين بمسجد خاص.
إن دراسة هذا الدور المجّاوي تنتج أنه لا يختلف عن أدوار الانحطاط قبله إلاَّ في التعليم الرسمي، و إنما أضفناه إلى هذا الشيخ لكثرة تلاميذه فيه لا سيما بعمالة قسنطينة، و قد كان لعهده شيوخ علم و تعليم، و لكنهم لم ينتجوا إنتاجه و لا شهروا شهرته.
و قطعنا هذا الدور عمَّا قبله لأن نبغاء الأدوار السابقة عليه لم يتصل معهم نهضة يعدون نواة لها. أما الدور المجاوي فقد اتصل بالدور البادسي دور اليقظة و النهوض.
و أشهر علماء هذا الدور الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني الذي هاجر إلى المدينة المنورة، و توفي فيها رحمه الله. و هو من تلاميذ الشيخ المجاوي.
و أشهر أدبائه و لكن من غير تلاميذ المجاوي الشيخ عاشوري الخنقي من (خنقة سيدي ناجي) على أبواب صحراء قسنطينة، كان هجاءًا بليغًا قلما يجيد في الثناء، قويًا قريضة، ضعيفًا نثيرة، و لم يدوّن من شعره الكثير القصائد، القليل الأغراض الأدبية، إلاَّ مادوّنه هو نفسه في سفر لطيف. و هو خاص بقضية (الشيخ صلح بن مهنا) الذي حمل حملة عملية أثرية على الطرقية و مدّعي الشرف. و قد سمى سفره ذلك منار الأشراف على فضل عضاة الأشراف و مواليهم من الأطراف نهض لنقضه منافسه على زاوية (الهامل) الشيخ محمد عبد الرحمن الديسي، من جنوب عمل الجزائر و سمى نقضه *هذم المنار و كشف العوار*.
و يغلب على هذا الدور التقرب من الزوايا أو التسليم لشيوخها أحياء أو موتى، و كان الشيخ الصالح بن مهنا – رحمه الله – ممن ارتحل إلى المشرق و قرأ بالأزهر فلما عاد إلى قسنطينة وولي إمامة جامعها الكبير أعلن نكيره على العجزة من أبناء الأشراف و الزوايا و على القضاة في حكمهم بما في الأعمال السياسية و إن خالف الثابت في الصحيحين. فلقى في ذلك عن الشيخ المجاوي و تلاميذه و الشيخ عاشور و مغرية ما لا قبل لأحد به. و لم يجد معه غير فؤاده المشيع و قلمه المصمى. فلقد كان كاتبًا بليغًا و محدثًا فقيهًا.
و لم يترك لنا هذا الدور من الآثار القلمية المعبرة عن روح عصره غير ما كتب في هذه القصة. و ما عداه من التأليف و القصائد تقول فيها الأدوار السابقة *هذه بضاعتنا ردّت إلينا*.
و مادة التدريس في هذا الدور هي مادة المتن و الشرح و الحاشية فإن كان للحاشية تقارير فتلك سدرة المنتهى، و مادة التذكير و الوعظ في كتب المناقب و الرقائق.
أما التفسير و الحديث فهما محترمان احترام الخليفة العباسي القائل :

أليس من العجائب أن مثلي يرى ما قل ممتنعًا عليه
و تؤخذ باسمه الدنيا جميعا و ما من ذاك شيء في يديه
إليه تُحمل الأموال طرًا و يمنع بعض ما يجبى إليه

تراهم حتى القادرين منهم على فهم التفسير و الحديث و تفهيمهما يكبرون تدريسهما و تحكيمهما إكبارًا منفّرًا لمتبعيهم عنهما، و قادحًا في ديانة من لا يقلدهم في الإعراض عنهما.
و الشيخ المهدي الوزاني – رحمه الله – من علماء فاس و ممن شارك في الحملة على ابن مهنا، كتب رسالة في (السدل) ينقض بها رسالة الشيخ مكي بن عزوز – رحمه الله – في (القبض). و جاء فيها بحديث زعمه دليلاً للسدل و معارضًا راجحًا لدليل القبض. ثم اعتذر بأنه إنما استدل بالحديث مجاراة للخصم.
و لا تدع هذا الدور حتى نسجل أن حركة التعليم به دون حاجة الشعب، فنسبة متعلمي الكتابة إلى الأميّين نسبة ضئيلة مخجلة. و هنا ندع الدور المجاوي معتقدين أننا عرضناه عرضًا يصوّر لنا مبلغ حركته في العلوم و الأدب، و يقف بنا على ما استعادته الجزائر من جامع القرويين إجمالاً.

Posted in مقالات | Tagged , | Leave a comment

حركة العلم و الأدب في الجزائر١

قال الشيخ مبارك الميلي : الجزائر قطعة كريمة من المغرب، وطننا الكبير، الواقع على البحر الأبيض المتوسط،مركب الحضارة الشرقية قديمًا.
وإذن، العلم و الأدب بالجزائر قديمان بقدم حضارة ذلك البحر، لكنهما معرضان لما يعْرض لوسائل الحياة، و دلائل النظام، و نتائج الاجتماع من قوة و ضعف، و إحكام وانحلال، وازدهار و ذبول.
و الجزائر العربية الإسلامية، هي همزة الوصل بين دمشق وبغداد والقاهرة شرقّا، و قرطبة واشبلية و غرناطة غرباً. و هي بالمغرب كلّيتيه : جامع الزيتونة شرقاً و جامع القرويين غربًا. و هما أقدم كليات العالم الإسلامي. و إذا شرف شرقي المغرب بالقيروان و تونس، و غربيّة بفاس و مراكش، ففي وسطه الجزائر بجاية و تلمسان فما دونهما مثل تيهرت الرستمية، و القلعة الحمادية، وقسنطينة الحفصية، و الجزائر التركية.
و لتنزّل الجزائر من جارتها برًا وبحرًا، قربًا و بعدًا، منزلة همزة الوصل، سهل عليها تحمل أمانة العلم و أداء رسالة الأدب، ثم عوملت معاملتها، فيعتد بها بنسبة علمائها و أدبائها اليها تارة فتجد منهم البجائي و الزاوي، و التاهرتي، و التلمساني و غيرهم، و تسقط تارة أخرى فلا ينسب إليها بعض أبنائها، أو من أطال استيطانَها.
هذا عبد الحق الاشبيلي لا يزال مسجده من القرن السادس حتى اليوم معروفًا. كان سلفيًا في الاعتقادات، مالكيًا في العبادات . و كذلك كانت دولة المرابطين التي سقطت لعهده، و حاول إحيائها بما أغضب عليه الموّحدين الذين أسسوا دولتهم على أنقاضها، و في العبادات بين الشافعية و الظاهرية. و كاد غضبهم ينتهي إلى سفك دمه و لكن الله سلّم.
و هذا أبو بكر بن سيد الناس عالم بجاية و محدثها في القرن التاسع انتهى ذكره إلى الملك الحفصي بتونس فاستدعاه لحضرته. و لأول مقابلته تلا عليه :
«« فَبِمَا رَحْمَةٍ مِِّن اّلله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّا غَليظَ اٌلْقَلْبِ لَاٌنفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفٌ عَنْهُمْ وَاْسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فيِ اٌلاٌَمْرِ فَإَذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اٌللهِ إِنَّ اٌللهَ يُحِبُّ اٌلْمُتَوَكِِّلِين.»» وفي ذلك الأمر شهادة بشجاعة قلبه و عزة نفسه، إذا لفت نظر الملك إلى تلك الاخلاق العالية التي لا تَطيب نفسه لمعاشرته بدونها.
و هذا ابن رشيق القيرواني الأديب الشهير، هو من أبناء المسيلة احدى مدن الجزائر التي وسعت ابن هانيء لمَّا ضاقت به الاندلس.
ثم هذا ابن خلدون، التونسي المولد و الطلب، نراه يضطرب بالمغرب، و يعمل بالجزائر، و ينزل صغار قراها فيضع مقدمته التي أربتْ شهرتها على شهرة تاريخه القيّم.
هذه لفتة إلى الماضي المعلوم، تشهد للجزائر بأنها منبت رجال و معدن نبوغ، و مطلع بدور، و تلك معجزة المغرب المتقدم، و مقرعه المغرب المتأخر.

Posted in مقالات | Tagged , | التعليقات مغلقة

البشير الإبراهيمي بقلمه (المرحلة الخامسة ب)

قال الشيخ البشير الإبراهيمي : في الفترة ما بين سنة ١٩٢٠ – ١٩٣٠ كانت الصلة بيني و بين ابن باديس قوية ، و كنا نتلاقى في كلﱢ أسبوعين أو كلﱢ شهر على الأكثر، يزورني في بلدي ( اصطيف ) أو أزوروه في قسنطينة ، فترن أعمالنا بالقسط و نزن آثارها في الشّعب بالعدل ، و نبني على ذلك أمرنا ، و نضع على الورق برامجنا للمستقبل بميزان لا يختل أبدا ، و كنّا نقرأ للحوادث ، و المفاجآت حسابها ، فكانت هذه السنوات العشر كلّها إرهاصات لتأسيس جمعية العلماء الجزائرين .
كملت لنا على هذه الحالة عشر سنوات كانت كلّها إعداد و تهيئة للحدث الأعظم و هو اخراج جمعية العلماء من حيز الفعل ، و أصبح لنا جيش من التلامذة يحمل فكرتنا و عقيدتنا مسلّح بالخطباء و الكتّاب و الشّعراء يلتفّ به مئات الآلاف من أنصار الفكرة و حملة العقيدة يجمعهم كلّهم إيمان واحد ، و فكرة واحدة و حماس متأجّح ، و غضب حاد على الاستعمار.
كانت الطريقة التى اتفقنا عليها أنا و ابن باديس في اجتماعنا بالمدينة في تربية النشء هي ألا نتوسع له في العلم ، و إنما نربيه على فكرة صحيحة و لو مع علم قليل ، فتمت لنا هذه التجربة في الجيش الذي أعددناه من تلامذتنا.
كانت سنة ١٩٣٠ هي السنة الّتي تم بتمامها قرن كامل على احتلال فرنسا الجزائر ، فاحتفلت بتلك المناسبة احتفالا قدرت له ستة أشهر ببرنامج حافل مملوء بالمهرجانات و دعت إليه الدّنيا كلّها ، فاستطعنا بدعايتنا السرية أن تفسد عليها كثيرا من برامجها ، فلم تدم الاحتفالات إلا شهرين واستطعنا بدعايتنا العلنية أن نجمع الشّعب الجزائريّ حولنا و نلفت أنظارهإلينا.
تكامل العدد ، و تلاحق المدد ….. العدد الّذي نستطيع أن نعلن به تأسيس الجمعية ، و المدد من إخوان كانوا بالشرق العربي مهاجرين ، أو طلّاب العلم ، فأعلنا تأسيس الجمعية في شهر مايو سنة ١٩٣١ بعد أن أحضرنا لها قانونا أساسيا مختصرا من وضعي أدرته على قواعد من العلم ، و الدّين لا تثير شكّا و لا تخيف ، و كانت الحكومة الفرنسية في ذلك الوقت تستهين بأعمال العالم المسلم ، و نعتقد أننا لا نضطلع بالأعمال العظيمة فخيبنا ظنّها و الحمد للّه.
دعونا فقهاء الوطن كلّهم ، و كانت الدّعوة الّتي وجهناها إليهم صادرة بالسم الأمة كلها ، ليس فيها اسمي و لا اسم ابن باديس ، لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق لنا من الحملات الصّادقة على جمودهم ، ووصفنا إيّاهم بأنهم بلاء على الأمة ، و على الدين لسكوتهم على المنكرات الدينية ، و بأنهم مطايا للاستعمار يذل الأمة ، و يستعبدها باسمهم ، فاستجبوا جميعا للدّعوة ، واجتمعوا في يومها المقرّر ودام اجتماعنا في نادي الترقي بالجزائر أربعة أيام كانت من الأيام المشهودة في تاريخ الجزائر ، و لما تراءت الوجوه و تعالت أصوات الحقّ أيقن أولئك الفقهاء أنهم مازالوا في دور التّلمذة ، و خضعوا خضوع المسلم للحقّ ، فأسلموا القيادة لنا ، فانتخب المجلس الإداريّ من رجال أكفاء جمعتهم وحدة المشرب ووحدة الفكرة ووحدة المنازع الاجتماعية و السياسية ، ووحدة المناهضة للاستعمار ، و قد وكّل المجتمعون ترشيحهم إلينا فانتخبوهم بالإجماع ، وانتخبوا ابن باديس رئيسا ، و كاتب هذه الأسطر وكيلا نائبا عنه ، و أصبحت الجمعية حقيقة واقعة قانونية ، و جاء دور العمل.
هذه المرحلة من حياتي هي مناط فخري و تاج أعمالي العلمية و الإجتماعية ، و الأفق المشرق من حياتي ، و هذه هي المرحلة الّتي عملت فيها لديني و لغتي و وطني أعمالا أرجو أن تكون بمقربة من رضى الله ، و هذه هي المواقف الّتي أشعر فيها كلما وقفت أرد ضلالات المبتدعة في الدين ، أو أكاذيب الاستعمار ، أشعر كأن كلامي امتزج بزجل الملائكة بتسبيح الله.
كلّفني إخواني أعضاء المجلس الاداري في أوّل جلسة أن أضع للجمعية لائحة داخليّة نشرح أعمالها كما هي أذهاننا لا كما تتصوّرها الحكومة و أعوانها المضلّلون منها ، فانتبذت ناحية ، ووصلت طرفي ليلة في سبكها و ترتيبها ، فجاءت في مائة ، وسبع و أربعين مادّة ، و تلوتها على المجلس لمناقشتها في ثماني جلسات من أربعة أيّام ، و كان يحضر الجلسات طائفة كبيرة من المحامين و الصحفيين العرب المثقفين بالفرنسية ، فأعلنوا في نهاية عرض اللائحة إيمانهم بأن العربية أوسع اللغات ، و أنها أصلح لغة لصون القوانين و مرافعات المحامين ، و كأنما دخلوا في الاسلام من ذلك اليوم ، و خطب الرئيس عند تمام مناقشة اللائحة ، و إقرارها بالإجماع خطبة مؤثّرة أطراني فيها بما أبكاني من الخجل ، و كان مما قال : عجبت لشعب أنجب فلان أن يضل في دين أو يخزى في دنيا ، أو يذل لاستعمار ، ثم خاطبني بقوله : ورى زناد هذه الجمعية.
كان من نتائج الدّراسات المتكرّرة للمجتمع الجزائريّ بيني و بين ابن باديس منذ اجتماعنا في المدينة المنوّرة أنّ البلاء المنصب على هذا الشّعب المسكين آت من جهتين متعاونين عليه و بعبارة أوضح من استعمارين مشتركين يمتصان دمه و يتعرّفان لحمه ، و يفسدان عليه دينه و دنياه : استعمار ماديّ هو الاستعمار الفرنسيّ يعتمد على الحديد ، و النّار ، واستعمار روحاني يمثّله مشايخ الطّرق المؤثّرون في الشّعب ، و المتغلغلون في جميع أوساطه ، المتاجرون باسم الدين ، المتعاونون مع الاستعمار عن رضى و طواعيه ، و قد طال أمد هذا الاستعمار الأخير ، و ثقلت وطأته على الشّعب حتى أصبح يتألم و لا يبوح بالشّكوى ، أو الانتقاد ، خوفا من الله بزعمه ، و الاستعماران متعاضدان يؤيّد أحدهما الآخر بكل قوّته ، و مظهرهما معا تجهيل الأمّة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات ، و تفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثّورة.
فكان من سداد الرّأي و إحكام التدبير بيني و بين ابن باديس أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون و كذلك فعلنا ، ووجد المجلس الإداري نظاما محكما فاتبعه ، لذلك كانت أعمال الجمعية متشّبعة و كان الطّريق أمام المجلس الاداري شاقّا ، و لكنّه يرجع إلى الأصول الآتية :
١- تنظيم حملة جارفة على البدع و الخرافات ، و الضّلال في الدّين بواسطة الخطب ، و المحاضرات ، و دروس الوعظ ، و الارشاد في المساجد و الأندية و الأماكن العامّة ، و الخاصّة حتىّ في الأسواق ، و المقالات في جرائدنا الخاصّة التي أنشأها لخدمة الفكرة الإصلاحيّة.
٢ -الشّروع العاجل في التعليم العربي للصغار في ما تصل إليه أيدينا من الأماكن ، و في بيوت الآباء ، ربحا للوقت قبل بناء المدارس.
٣ – تجنيد المئات من تلامذتنا المتخرّجين ، و دعوة الشّبان المتخّرجين جامع الزيتونة للعمل في تعليم أبناء الشّعب.
٤ – العمل على تعميم التّعليم العربي للشّبان على النمط الّذي بدأ به ابن باديس.
٥ – مطالبة الحكومة برفع يدها على مساجدنا ، و معاهدنا الّتي استولت عليها لنستخدمها في تعليم الأمّة دينها ، و تعليم أبنائها لغتهم.
٦ – مطالبة الحكومة بتسليم أوقاف الاسلام الّتي احتجزتها ، و وزرعتها على معمّريها ، لتصرف في مصارفها التي وقفت عليها (و كانت من الكثرة بحيث تساوي ميزانية دولة متوسّطة) .
٧ – مطالبة الحكومة باستقلال القضاء الإسلاميّ في الاحوال الشّخصية مبدئيا.
٨ – مطالبة الحكومة بعدم تدخلها في تعين الموظّفين الدّينين.
هذه معظم الأمّهات الّتي تدخل في صميم أعمال الجمعية ، منها ما بدأناه بالفعل ، و لاقينا فيه الأذى ، فصبرنا حتىّ كانت العاقبة لنا ، و منها ما طالبنا به حتى أقمنا حقّ الأمّة فيه ، وفضحنا الاستعمار شرّ فضيحة ، و مجموع هذه المطالب ظاهرها دينيّة ، ولكنّها في معناها ، و في نظر الاستعمار هي نصف الاستقلال.

Posted in تراجم | Tagged | التعليقات مغلقة